شاء الديموقراطيون أم أبوا، فقد تغيَّرت أمريكا، ليس بصلابة ترامب وتصلّبه فحسب، وإنما بتحوُّلات في الرأي العام، أنتجتها سنوات من الصراع من أجل الهيمنة، وسنوات من الاستقواء بعد الهيمنة، وسنوات من التردد والعجز الإمبراطوري.

خوف أمريكي من تراجع القوة، حمل ترامب إلى محطة البيت الأبيض، وخوف أمريكي على الحريات، حمل خصوم ترامب على السيطرة على مجلس النواب في الانتخابات النصفية قبل يومين.

أمريكا التي يُحرِّكها الخوف؛ أخطر ألف مرة من أمريكا التي يُحرِّكها الطمع الإمبراطوري، ما رأيناه في مشهد الانتخابات النصفية الأمريكية، هو بعض تجليات هذا الخوف.

خافت قوى اليسار والليبراليون على مكاسب حقوقية انتزعها الأمريكيون بعد نضال طويل، فترجم الناخبون هذا الخوف بمنح الأغلبية في مجلس النواب للحزب الديموقراطي، وخاف اليمين وتيار شعبوي صاعد مع دونالد ترامب، على مكاسب حققها الاقتصاد الأمريكي على مدى عامين، فترجم الناخبون هذا الخوف بتأكيد هيمنة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ.

بين المخاوف الحقوقية لدى الديموقراطيين، وبين المطامع المالية لدى الجمهوريين، خرجت أمريكا بعد الانتخابات أكثر انقساماً، وبرغم محاولات ترامب في أول مؤتمر صحفي بعد إعلان نتائج الانتخابات، الظهور بمظهر المنتصر، بعدما عزَّز حزبه من هيمنته على مجلس الشيوخ، إلا أن ثمة متاعب تنتظر العلاقة بين مجلس النواب الذي يُلوِّح بوضع العراقيل في طريق إدارة ترامب، وبين الرئيس الأمريكي الذي يُلوِّح بأنه لن يتوانى في استخدام الفيتو الرئاسي ضد قرارات مجلس النواب كلما اقتضى الأمر.

طوال ما مضى من فترة رئاسته الحالية (الأولى)، حاول ترامب التخلص من إرث سلفه باراك أوباما، والانقضاض على خارطة علاقات دولية صاغها أسلافه جميعاً بلا استثناء، لم يفلت منها حتى نظيره الجمهوري الأسبق رونالد ريجان، الذي وقَّع اتفاق حظر الصواريخ النووية متوسطة المدى مع الاتحاد السوفييتي (روسيا).

رحلة ترامب للتخلُّص من تعهدات ومعاهدات وسياسات وقوانين أقرها أسلافه (الانسحاب من مجموعة إيبك، ومراجعة الاتفاق مع مجموعة نافتا، والانسحاب من معاهدة المناخ، وفرض رسوم حمائية على التجارة مع أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة مثل الصين والاتحاد الأوروبي وكندا)، هذه الرحلة القصيرة زمناً، العميقة أثراً، لا تُلقي بظلالها على علاقات واشنطن بشركائها في المرحلة الراهنة فحسب، وإنما تضع قيوداً في العمل سوف تُؤثِّر على السياسة الأمريكية لسنوات طويلة مقبلة.

نصيب الشرق الأوسط من تأثير التحوُّلات في السياسة الأمريكية على حياة شعوبه، جرى استلام بعضه، وجارٍ تحضير بعضه الآخر. من بين ما استلمه الشرق الأوسط، قرارات تتعلق بفلسطين، ترددت في اتخاذها إدارات أمريكية متعاقبة، واتخذتها إدارة ترامب، أبرزها كان قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو ما جرى بالفعل، ثم ما أعلن بشأن ما أطلق عليه ترامب ذاته (صفقة القرن) ضمن تصوُّر غامض عن تسوية نهائية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا يعلم بفحواها أحد سوى ترامب ذاته.

صعوبات جمَّة قد تكون بانتظار إدارة ترامب، مع مجلس نواب يُهيمن عليه الديموقراطيين، وصراع مكشوف قد تشهده الساحة السياسية الأمريكية؛ طوال ما تبقَّى من فترة ترامب الرئاسية الأولى، حتى نوفمبر ٢٠٢٠، سوف تكون له انعكاساته على مواقف وسياسات الإدارة الأمريكية الحالية تجاه قضايا الداخل، وهي تزداد عمقاً، أو تجاه قضايا الخارج، وهي تزداد سخونة.

صلابة ترامب الأيديولوجية تقود خصومه في الداخل إلى مناطق التصلب أيضاً، وهو ما يُرشِّح الصراع للتصعيد ضمن مباريات صفرية لعض الأصابع.