مِن الوَاضِح، أَنَّنا نُعَاني نَقصًا فِي مَصَادِر الجَمَال، وشُحًّا فِي صِنَاعتهِ، وفَقرًا فِي إنتَاجهِ، لِذَلك، كَان لِزَامًا عَلَى هَذه الزَّاوية، أَنْ تَكتُب بَين فَترةٍ وأُخرَى عَن الجَمَال، لَعلَّ الكِتَابَة تُنعش مَا ذَبُل، وتُحيي مَا مَات..!

فإذَا ذُكِرَ الجَمَال، لابدَّ أَنْ تُذكَر «المَلَاحَة»، وإذَا ذُكِرَ الاثنَان، لَابدَّ مِن التَّفريق بَينهمَا، لِذَلِك، تَكفّل الأَديب «ابن عبدربه»؛ بشَرح الفَرق بَينهمَا حِينَ قَال: (الجَميلَة، هي التي تَأخذ ببَصرِك جُملة عَلَى بُعد. والمَليحَة، هي التي كُلَّما كَرَّرتَ بَصرك فِيهَا؛ زَادَتكَ حُسنًا)..!

ويَعتَقد البَعض؛ أَنَّ الجَمَال يُسعِد العَين والنَّفس، ومَا عَلِمَ هَذَا البَعض أَنَّ الجَمَال لَه حضُورٌ آخَر، وهو الجَبرُوت والطُّغيَان، وقَد انتَبَه إلَى هَذَا، الأَديب «اكسل مونته» فقَال: (الجَمَال للمَرأَة، كالمَال للرَّجُل: قُوَّة وسُلطَان)..!

وقَد ذُكِرَ فِي القُرآن الكَريم؛ أَنَّ لَون البَقرَة الأَصفَر؛ يَسرُّ النَّاظرين، وهَذا يَدلُّ؛ عَلَى أَنَّ العَين تَتغذَّى عَلَى الجَمَال، ولَا قِيمَةَ لَهَا؛ إذَا لَم تَتمتَّع بالجَمَال، وفِي ذَلك يَقول الفَيلسوف «إيمرسون»: (إذَا كَانَت العَينَان قَد وُجدتَا للنَّظَر، فالجَمَال هو مُبرِّر وُجودهمَا)..!

ولَو سَألتَ عَن تَعريف الجَمَال، فلَن تَجد أَفضَل مِن إجَابة الأَديب «أمين الريحاني»، حَيثُ قَال: (الجَمَال هو القُوَّة الغَامِضَة؛ التي تُطَالعنا فِي مَنظرٍ مَا، فتُثير فِينَا انفعَالًا؛ يَستَولي عَلَى النَّفس، ويَخلق مِنهَا حَالَة مِن النَّشوَة والارتيَاح)..!

أَكثَر مِن ذَلك، حَتَّى تَتمتّع بالجَمَال، يَجب أَنْ تَحمل نَفسك جَمَالًا، يُحوِّل الأَشيَاء مِن جَميلةٍ إلَى أَجمَل، ومِن مَليحَةٍ إلَى أَملَح، لأنَّ «إيليا أبوماضي» يَقول: (والذي يَرَى نَفسَه بغَير جَمَالٍ.. لَا يَرى فِي الوجُودِ شَيئًا جَميلا)..!

فإذَا ذُكِرَ الجَمَال، لَابدَّ أَنْ يَتبَادر إلَى الذِّهن؛ أَسمَى وأَجمَل مَا فِي الوجُود، وهو «الأُم»، وقَد عَبَّر عَن هَذا الشّعُور بكُلِّ بَسَاطَة، الأَديب «بلزاك»، حِينَ قَال: (أُمِّي.. يَا جَمَال الوجُود، ويَا نور الحَيَاة)..!

حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟!

بَقي القَول: يَا قَوم، اجعَلُوا نفُوسَكُم جَميلَة، فَضلًا عَن روحِكُم.. فقَد قَال الأَديب «تولستوي» قَديمًا: (إنَّ المِثَال الأَعلَى للجَمَال، هو نَفسٌ جَميلَة فِي جَسدٍ جَميل)، وهَذا كَلَام سَليم، ولَكن المُشكِلَة أَنَّ الجَمَال شَحيح، والجَميل نَادِر، وقَد عَبَّر عَن هَذا؛ الأَديب «بودلير» حِينَ قَال: (الجَميل غَريب دَائِمًا)..!!