خلال سنوات الطفرة السابقة، ونتيجة لظهور البترول، حدث ما يُسمَّى بالرخاء الاجتماعي، وأثَّر ذلك بشكلٍ كبير على سلوكيات المواطن السعودي في الإنفاق.. فقد ألف أنماطاً استهلاكية غير متزنة.. بل هياطاً ومبالغة في الترف والتبذير، وأصبحت بعض الأنماط السلوكية في الإنفاق جزءاً من عاداتنا اليومية السيئة.. بل قمنا باستحداث مناسبات وأعياد ما أنزل الله بها من سلطان، مثل: أعياد الميلاد، وعيد الأم، وحفلات التخرج، وحفلات الطلاق... وغيرها. والتي أرهقت ميزانية الأسرة، ناهيك عن حفلات الزفاف، وما يحدث فيها من مبالغات، فكم من الأموال التي تُصرف، وكم من مظاهر الترف التي مصيرها سلَّات النفايات، مثل أوراق الزينة والتغليف، والمأكولات والضيافة، حتى أنه يُقدَّم للسيدات عدة أصناف ضيافة في السهرة من باب التفاخر وحب الظهور!! هذا فضلاً عن البوفيهات المفتوحة بكل أنواع الأطعمة العالمية؛ فتُملأ الأطباق، ولا يُؤكَل إلا جزء يسير منها، والباقي يأخذ طريقه إلى النفايات!! هذه الممارسات وغيرها؛ لا يرضاها الله ورسوله، فإذا كانت كسرة الخبز رفعها رسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- ومسحها ثم أكلها، إكراماً للنعمة، وقال لعائشة رضي الله عنها: «أكرمي كريمك فإنها ما نفرت من قومٍ قط فعادت إليهم»، فما بالنا نُبذِّر ونُبالغ في الطعام والشراب، والله سبحانه وتعالى يقول: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).. (الأعراف: 31).

وهناك إحصائيات صادمة عن معدل الهدر في الطعام، وخاصة في رمضان، وفي الفنادق وفي المناسبات، ففي مكة المكرمة وحدها في عام 1439هـ، هناك أكثر من (ثلاثة عشر مليون وجبة طعام تُقدَّر قيمتها بـ14 مليون ريال، كانت في طريقها للنفايات، لولا ما قامت به (جمعية إكرام) من إجراءاتٍ في حفظ النعمة وتوزيعها على المحتاجين، كما جاء في صحيفة مكة 6/2/1440هـ.

وفي دراسة قام بها د. «حسن أبوركبة»؛ من جامعة الإمام محمد بن سعود، عن سلوك المستهلك السعودي، خلص إلى أن 40-60% من دخل الفرد السعودي يُنفَق على الغذاء، وأن 15-20% يُنفق على الكساء، وثلثها على العلاج والسياحة، ومن 5-10% على التأثيث، ومثلها على الأجهزة الكهربائية والتعليم والسكن، بينما النسب العالمية تقول: يجب أن يكون 20% من الدخل للسكن، و20% للنفقات الشخصية، و25% للغذاء، و10% للملابس، و15% للوازم المنزلية، و5% للطبيب والأدوية، و5% للادخار.

ويعتبر الترشيد في الاستهلاك واجباً وطنياً، تطلبه قِيَم المواطنة، التي تدلُّ على مدى حُبّنا للوطن ووعينا، بالمحافظة على قوّته وطاقاته؛ فالمُستهلَكَات كالكهرباء والماء والغاز والأطعمة، تُكلِّف الدولة مئات الملايين لتوفيرها للمواطن، لذا فمن الواجب المحافظة عليها وعدم إهدارها.

ومن واجبنا الوطني كذلك؛ بث قِيَم الترشيد في المدارس والجامعات، وفي مقار العمل، وعلى مستوى الأسرة، بل لابد من توعية الخادمات ومراقبة سلوكياتهن، فهُنَّ الأكثر تبذيراً..

كما لابد من مراقبة سلوك الأبناء وتوعيتهم وتبصيرهم بضرورة التحرر من المفاهيم والعادات الغذائية الخاطئة في الإسراف في الطعام وتناول المأكولات السريعة، لأن السعرات الزائدة عن حاجة الجسم تُخزَّن على شكل دهون، وبالتالي تؤدي إلى زيادة الوزن.. فقد أصبحت العمليات الجراحية لإنقاص الوزن تُرهق كاهل ميزانية الأسرة، وتُكلِّف الدولة ملايين الريالات كل عام.

إذن نحتاج الآن -خاصة في ظل رؤية 2030، التي تقوم على الترشيد وضبط سلوكيات المواطن في الإنفاق- إلى إعادة برمجة للأسرة السعودية، وإعادة التوازن للنمط المعيشي لها، والعودة إلى قيم الإسلام وتعاليمه في الإنفاق، فقد قال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، (الإسراء: 26).