يَستخدم البعض منّا «حِكمَةً» غَريبة على تعاليمنا الإسلامية وتربيتنا الأخلاقية لتبريرِ تغيير وتبديل المواقف: «لو ما تقدر عليهم.. روح معهم» وهي ترجمة بتصرّف للمقولة الإنجليزية «If you cannot beat them join them»، علماً بأنّها في الأصل مثلٌ سياسيٌ قديم، وقد يكون لأهل السياسة مُبرراتهم لاستخدام أنسب التكتيكات والمناورات للتعامل مع الخصوم والأعداء في حال الحروب (الحَرْبُ خِدْعَة).

لكن لا ينبغي أن يَعُمّ استخدام هذه المَقولة وتُتّخَذ مبدأً للسير في الحياة، ومنهجاً للتعامل بين أفراد المجتمع على مستوى العمل أو الصداقة أو العائلة.

إنّ أصحاب الإيمان القوي بأعمالهم ثابتون، ولا يُبدّلون مواقفهم عندما تواجههم العقبات، وقد واجه الكثير من الرياديين عبر التاريخ عقبات كثيرة ومقاومةً شديدةً وذلك لأنّهم يأتون، عادةً، بمنهجٍ مختلفٍ عن التوجّه العام لمجتمعاتهم.. ولم يُنجِز الواحد منهم عمله بسهولةٍ، بل كان العامل المشترك بين كل من حقق للبشريّة إنجازاً استثنائياً هو الثبات وعدم الاستسلام للمُنغّصات والعقبات.

وينطبق ذلك على أصحاب الإنجازات الاستثنائية في كافة المجالات.. فقد واجه الرُسُل -عليهم السلام جميعاً- عقباتٍ متنوّعة لأنّهم أتوا بمنهجٍ مخالفٍ لمجتمعاتهم، وقد أمدّهم المولى عز وجل بالثبات على العمل، وفي ذات الوقت فقد قضى سبحانه وتعالى بحكمته أن يتعاملوا مع تعنّت بعض البشر وإنكارهم للحق، رغم مقدرته عزّ وجل على تذليل تلك العقبات جميعها بأمرِ (كُن فَيَكُونُ) ، وتلك سُنّة الخالق سبحانه وتعالى في كونه.

وقد ثَبت سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم غير آبهٍ بما واجهه من المُعارضين، ولم تكن لتُثنِيه جهودهم الحثيثة عن عمله في تبليغ الرسالة، حتى وإن تيسّر لهم أن يضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره. وعلى ذات النهج النبوي القويم، سار المُجدّدون والمُصلحون، ونستذكر هُنا ما حلّ بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (توفي سنة 241هـ) الذي تمسّك برأيه الحق في فِتنة خلق القرآن الكريم، ولم يُبدّل أو يغيّر رغم ما حلّ به من أذى شديد.

بل حتى بعض روّاد العلوم الدنيوية؛ نالوا نصيبهم من المعاناة والتكذيب، ومن أبرزهم العالم الإيطالي الشهير «غاليليو غاليلي» (توفي سنة 1642م)، والمُلقّب بوالد علم الفَلَك الحديث والفِيزياء، حيث إنه أمضى السنوات الأخيرة من حياته تحت الإقامة الجبرية في منزله بناءً على أوامر من محاكم التفتيش، بسبب آرائه المخالفة لمحيطه، وهي الآراء والنظريّات التي أسّست لاكتشافات علميّة قدّرتها المجتمعات البشريّة اللاحقة. فكم كانت الحضارة ستخسر لو أن «غاليلي: استسلم للمُثبّطين «وراح معهم»، ولم تصلنا منه تلك العلوم؟.

إنّ الثبات على الصواب مُهم، كما أنّه من المُهم أن يَرفق كلٌ منّا بمَن يخالفه الرأي (وَلْيَتَلَطَّفْ)، في توضيح وجهة نظره (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)، (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ولا ينبغي تغيير المواقف (والمبادئ) تبَعاً للظروف (والمكاسب)، وليطمئنّ أصحاب النهج الصحيح، (ولا يصح إلّا الصحيح)، لما قد يجدونه من مُعاناةٍ وإنكارٍ، مُستذكرين أنّ الرُسُل عليهم السلام قد واجهوا مثل ذلك، رغم أن الله عزّ وجل قادرٌ على تذليل كل شيء لهم، (وتلك حكمة الله وسُنّته في كونه)، وليطمئنّ أصحاب النهج الصحيح بوعده سبحانه وتعالى (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم)، «ولو ما قدروا على مخالفيهم.. لا يروحوا معهم».

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين