لعل الذين يعارضون أحكام الدين اليوم، هم مَن يُحكِّمون هوى أنفسهم في كل ما يقولون أو يفعلون، وقد خدعهم دعاة يقفون على أبواب جهنم، يحلون لهم ما حرّم الله، ويُحرِّمون ما أحل الله لهم، وهم حتماً لا يريدون بهم إلا شرًّا، وكان لهم في الماضي نماذج نبَّهنا سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليها، فيما رواه ابن أبي رافع خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومولاه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا ألفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: «لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»).

وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه يقول: (يوشك أحدكم أن يُكذِّبني وهو متكئ، يُحدِّث بحديثي فيقول: بيننا كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال استحللناه، وما وجدناه فيه من حرامٍ حرّمناه، ألا إن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله). وحذر ربنا عز وجل في محكم كتابه من مخالفة أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال عز وجل: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وما مخالفة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بداية الانسلاخ من الدين، فما جاء في كتاب الله لا يُفسِّره ويُؤوله ولا يُبيِّن مجمله، ولا يُطلق مُقيّده إلا سُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما ورد من تكاليف الإسلام في أركانه الخمسة، لا يُبيِّنها ولا يُوضِّحها سوى السُّنة، ففيها تفصيل أحكامه، ولا ينكر هذا عاقل، ومن هنا يحرص الشيطان أن يُلقي في روع أعداء الدين أن يُشكّكوا فيها، ليبعدوا المسلمين عن دينهم، لذا وجدنا أول من اهتم بالتشكيك بشكلٍ صارخ في السُّنة النبوية، هم المستشرقون المتعصبون ضد الإسلام، والذين سعوا قروناً إلى التأثير على عقول المسلمين في هذا الباب، وألَّفوا في ذلك الكثير من الكتب وترجمها تلاميذهم للمسلمين، وحرصوا على تلقين أفكارهم لمن درسوا من المسلمين على أيديهم في جامعات الغرب والشرق معاً، ورأينا كيف تم الانحراف عن السُّنة بسبب ذلك، حتى ما وجدنا أحداً تحدَّث في ذلك إلا وله صلة بهم أو بكتبهم أو بتلاميذهم من المسلمين. ثم جاء الجاهلون ومن لا صلة لهم أصلاً بعلوم الإسلام الشرعية، فتلقّوا أمراً لا علم لهم به، ولا يملكون أدوات فهمه، ولم يتلقّوه إلا من هذا الطريق، فنشروه في مجتمعات المسلمين بمزيد جهلٍ وسوء فهم، خاصة وأنه يُداعب الأهواء، ويظن به الجاهل أنه يُخفِّف عنه التكاليف، ردّهم الله إلى دينهم ردًّا جميلاً.