تَحْدُث عند بعض الناس إشكالية التعارض الظاهر بين معرفة حالة الطقس قبل وقوعه وحالة معرفة جنس الجنين قبل خروجه من جهةٍ، وبين ظاهر قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) من جهةٍ أخرى.

والحقيقة إن الأمر غير ذلك تماماً، حيث إن معرفة حالة الطقس وجنس الجنين، هما أمران من عالم الشهادة، وليسا من عالم الغيب، بينما هناك أمور أخرى في إنزال الغيث والأرحام هي من عالم الغيب، فعالم الغيب وعالم الشهادة من الأمور التي اختص بمعرفتها الله سبحانه وتعالى، والإحاطة بهما بالنسبة للإنسان نسبية، فمثلاً الأعمى بالنسبة لعالم الشهادة عنده كعالم الغيب، محصلته فيها صفر، لأنه لا يبصر، وكثير من الأمور قد تكون يوماً ما بالنسبة للإنسان عالم غيب، وهي في حقيقتها عالم شهادة، فمثلاً يوماً ما كان ما على سطح القمر عالم غيب، وهو اليوم مشاهد، لا لأنه من عالم الغيب البحت، بل لأنه أصلاً من عالم الشهادة، وكل ما هو غيبي عن الإنسان ويكون محسوساً وماديا يمكن أن يكون مشاهداً إلا أن هناك من الأمور الغيبية الحسية المادية التي لا يمكن أن تعرف حقيقتها البتة، وهي من علم الغيب الذي لا يعرف كنهه إلا الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان، حيث تلك الأمور حقيقة كونية غيبية، لكن الإنسان ما شهدها (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم)، فيكون المصدر لتوثيق المشاهد لمثل هذه الحالات هو مَن يعلم الغيب والشهادة، هو الله سبحانه وتعالى، ويكون ذلك عبر الوحي في كتبه التي أنزلها على مَن اختارهم من أنبيائه، عليهم السلام، ويدخل في مثل هذا وصف يوم القيامة والجنة والنار وعلم الساعة، والجن والملائكة وأحوال الأمم السابقة، واستثنى سبحانه حقه في اطلاع مَن يشاء من عباده على بعض الأمور الغيبية وفق مشيئته، وهنا علينا أن نُفرِّق بين عالم غيبي بحت هو من شأن الله، حسي أم مادي أو عالم غيبي غير محسوس، وبين عالم غيبي على الإنسان، وهو من عالم الشهادة يمكن أن يتحول إلى شيءٍ مُشَاهَد، وتُدركه الاكتشافات والمعرفة الإنسانية. وقد ندب القرآن الكريم -في مواضع كثيرة- الإنسان، للبحث والكشف والتعرف على ما في الكون من غيبيات «مُشَاهَدَة»، وجعل هذا العمل من العلم النافع الذي يُؤجر صاحبه وترفع درجته، فكثير من الأمور صيرها العلم من غيبٍ إلى مُشَاهَد، مثل الفيروسات والبكتيريا والخلية، بل وما في داخلها من أمور كانت خبايا تحوَّلت تحت عدسة المجهر الإلكتروني إلى شيء مشاهد ومعلوم، وكذلك معرفة تحركات السُّحب والأجواء بعلم الأرصاد وأجهزته الحديثة أصبحت مشاهدة على شاشات التصوير، ومعرفة حالة الطقس شيء معلوم، وكذلك الأمر بالنسبة لجنس الجنين أظهرته أدوات وأجهزة، وصوَّرته، فكله يقع ضمن العلم الذي يكشف الغيب الحسي المادي الذي أصلا هو من عالم الشهادة (حالة الطقس وجنس الجنين)، وتبقى الأمور الغيبية البحتة التي تخص إنزال الغيث، وحالة الرحم وما فيه وما يغيضه من اختصاص مَن يعلمها سبحانه وتعالى، كما قال: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدارعالم الغيب والشهادة الكبير المتعال). وفي مقال آخر إن شاء الله نُوضِّح ما هي الأمور الغيبية البحتة في نزول الغيث والأرحام.