لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الجديد مجرد وعاء أو منبر للظهور وتمرير الخطابات المختلفة، هذا ما أحاول جاهداً إيصاله وتوضيحه لطلابي وطالباتي.. حيث أحاول إقناعهم أن (تويتر، والفيس بك، والسناب شات.. وغيرها) ليست مجرد أوعية خارجية، يصب فيها المرسلون رسائلهم.. ورغم أن الوعاء الخارجي يغيّر في المحتوى المدلوق فيه ليتشكل بشكل الوعاء، إلا أن هذه المنصات تجاوزت ذلك لتصبح عنصراً مكوناً في التجربة.. أي أنها في العملية الأدبية مثلاً لم تعد مجرد مكان للنشر والتفاعل فقط بل أضحت مكوناً في صميم التجربة، من ضمن المكونات الأخرى. هنا يمكن أن أشير إلى مرجع أول مهم، أعني كتاب الناقد سعيد يقطين من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، الذي ظهر في العام 2005. يوفر كتاب يقطين تحليلاً للمفاهيم المركزية التي تنتجها طبيعة العلاقة بين الأدب والتقنية، وما يتعلق بها من قضايا معرفية؛ وينطلق يقطين من فرضية مركزية، تقول إن «توظيف أداة جديدة للتواصل يؤدي إلى خلق أشكال جديدة للتواصل»، لذلك فهو يرى أن الحاسوب -كممثل للتقنية- ليس مجرد «أداة»، بل هو -في الآن نفسه- فضاء وشكل وأداةٌ ولغة وعالَم، أي أنه «منتوج وأداة إنتاج وفضاء للإنتاج وعلاقات إنتاجية».

من هنا يشدد يقطين على أهمية أن يأخذ الباحثون العرب هذا الأمر بجدية، وذلك بتجاوز النظرة التقليدية للعمل الثقافي؛ فعصر (الإعلاميات والمعلومات) الذي نعيشه الآن يضعنا -نحن العرب- أمام تحدٍ استراتيجي يحتم علينا التعامل معه بنضج كافٍ ، يمكّننا من تجاوز مرحلة الاستهلاك السلبي، إلى الإفادة من منجزات العصر -في شتى المجالات- وذلك لتطوير أدواتنا المعرفية وممارساتنا الثقافية لتتناسب وروح العصر.

يؤمن يقطين أن «دخول عصر المعلومات بالنسبة للثقافة والأدب يتم عبر الانتقال إلى التفكير في قضايا عملية تتصل بما يتحقق من معارف جديدة ووسائط جديدة وإنتاجات جديدة في هذا المجال». لذلك يشدد على ضرورة «الانتقال إلى مستوى آخر من إنتاج النص وتلقيه، إلى الانتقال إلى الوعي بضرورة فهم جديد لـ(النص)، وبأهمية (الكتابة المنظمة)، وصيرورتها الطبيعية المتمثلة في (الكتابة الترابطية)...».

لا يساهم هذا الانتقال -في حاله تـَحَقـقِه- في نضج وعينا بالنص في عمليتيْ إنتاجه وتلقيه فحسب، بل يساهم في إنضاج عملية «الاستفادة من الروافد التكنولوجية واستثمارها الاستثمار الأمثل في إنتاج معرفة جديدة، وفي الارتقاء إلى أفق جديد للتواصل من خلال المفاهيم، وبواسطتها، وبتوظيف الوسائط الجديدة للاتصال والتواصل والتطور». هذا يعني أن ننتقل من مجرد مستهلكين سطحيين، إلى منتجين مؤثرين.