لا شك علمياً في أن الحِرمان من النوم الجيّد يُعتبر من سِمات العصر الحديث، نتيجة عوامل كثيرة يصعبُ حصرها هنا، لكن يبدو أنّ قلة عدد ساعات النوم المطلوبة يومياً من الأوبئة الاجتماعية الصحية، فعلى سبيل المثال، ينام حوالي (30%) من الأمريكيين أقلّ من (6) ساعات يومياً، في حين ينام حوالي (70%) من أطفال المدارس بأمريكا أقل من (8) ساعات يومياً، وهو ما يمكن وصفه بكارثة اجتماعية تتعلّق بالصحة العامة.

ولا يمكنني أيضاً في هذه العُجالة حصرَ مُضاعفات نقص النوم على الصّحة النفسية والعضوية، وما تجرّه من اضطرابات سلوكية وحوادث مرورية، لكن من الضروري، التنبيه على أن الحِرمان المُزمن من عدد ساعات النوم المطلوبة مرتبطٌ برداءة نوعية الحياة ووباء السّمنة واضطرابات المزاج، ومرض الذّهان (الزهايمر)، كما أن عدم أخذ الكفاية من النوم السّليم (أقل من 6 ساعات يومياً) يرفع من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، والوفاة المبكّرة.

وتُفيد تقارير بأن الحِرمان الحاد والمزمن من النوم، نتيجة العمل بنظام الورديات المُتعاقبة، يؤثر على كفاءة الأطباء جرّاء ساعات العمل المُمتدة وزيادة النّعاس خلال النهار، حيث تزداد لديهم نسبة الأخطاء الطبية بشكل ملحوظ، تتسبب في بعض الأحيان في وفاة المرضى، كما أشارت تقارير أمريكية خاصة بالطيّارين، أن حوالي (20%) منهم اعترفوا بارتكابهم أخطاء تقنية أثناء الطيران نتيجة معاناة (50%) منهم من الحِرمان من النوم السليم، وشكوى (90%) من الإعياء والنعاس المُفرط خلال النهار.

الجديد في هذا المجال، دراسةٌ حديثة (2018) أظهرت أن الحرمان من النوم الجيّد يُثيـر الشّعور بالغضب!! فنتيجة تقليص ساعات النوم لمدة يومين فقط، تتضخّم حدّة مشاعر الغضب والغيظ في مواقف مُزعجة، تبعاً لاضطرابات العاطفة التي تُصيب الأشخاص المحرومين من العدد المناسب لساعات النوم، مقارنة بغيرهم.

ومع انتشار التعرّض لوسائل الإعلام الحديثة، ومواقع التواصل الاجتماعي، وثقافة السّهر المُفرط المُرتبطة بتناول الكافيين والنيكوتين، والتهام الطعام بكمياتٍ كبيـرة وسُعْرات حرارية عاليةٍ في المساء، من غير المُتوقّع تحسّن مشكلة الحرمان المزمن من النوم السّليم، وبخاصة لدى صغار العمر، مما يضع مسؤولية كبيرة على مؤسسات الدولة، ووسائل الإعلام، والمُنظّمات الصحية، للتوعية بأهمية النوم السليم وخطر الحرمان منه، وتشخيص وعلاج اضطرابات النوم المُختلفة.