إنّ الإنسان يُؤثّر ويَتأثّر بمحيطه، وقد ضَرب لنا سيّد الخلق -صلى الله عليه وسلم- مثلاً بتأثّر الإنسان برفقائه (إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ... الحديث)، وعلى غِرار ذلك، فإنّ الإنسان يتأثّر بما حوله في نواحي الحياة المختلفة، سواء على مستوى العائلة أو العمل وما سواهما.

لنأخذ قيادة السيارة على سبيل المثال، فإنّ سلوك السائق يتأثّر بشكلٍ طبيعيٍ بما يُحيط به، من شوارع وطُرق وجُسور وتقاطعات ولوحات إرشاديّة ومَطبّات وإشارات مرورية... إلخ. فعندما يُحاط السائق بلوحاتٍ إرشادية عشوائيّة لا تتبع أي مواصفات قياسيّة من حيث أحجامها ومواقعها والمسافات بينها وبين ما يُفترض أن تُنبّه عليه، وعندما يُفاجأ السائق مِراراً بوجود حُفر عميقة على مساره تضطّره إلى تفاديها والخروج أحياناً على المسارات المجاورة، وعندما يُدرك فجأةً بأنّ المخرج الذي يُريد استخدامه سيكون بعد أمتار بسيطة ويضطره ذلك إلى تغيير مساره بشكلٍ خاطئ، وخطر عليه وعلى الآخرين، ليتمكّن من استخدام ذلك المخرج بسبب عدم وجود لوحة تنبيهية للمخرج قبل مسافة كافية، وعندما يَضيق ذَرعاً بكثرة المطبّات في أحد الشوارع بشكلٍ مبالغٍ فيه، فإنّ الاعتياد على مثل تلك الأمور، والتي قد تُوصف بأنّها «غير منطقية» في بيئة القيادة، يُؤدي بشكلٍ طبيعي إلى أن يكون سلوك الكثير من مُرتادي الطُرق سلوكاً غير منضبط، وفيه مقدار كبير من العشوائية و»غير المنطقيّة».

وفي المقابل، فإنّ سلوك مُرتادي الطُرق المُنتظمة والمُرتّبة بشكلٍ منطقي، يكون سُلوكاً منضبطاً في العادة.. فمثلاً، يعتاد السائق على التّهدئة وأخذ المسار المُناسب للالتفاف؛ عندما تكون اللوحات الإرشاديّة على جانب الطريق والمسارات المرسومة على الأرض، والإشارات تتبع النسق القياسي (والمنطقي)، وتكون منتشرة بشكلٍ متجانس في كامل بيئة القيادة (الشوارع والطُرق والجسور... إلخ).

وفي مجال العمل، فإنّ بيئة العمل التي تتكوّن مِن مقوّمات مادية (المبنى والأثاث ونحوها)، ومقوّمات تنظيميّة غير مادية (اللوائح والأنظمة وما إلى ذلك)، تُؤثّر بشكلٍ طبيعي في أداء العاملين والمُنتسبين إليها. لذلك فإنّه من المهم عند المطالبة برفع كفاءة أداء المُوظّف وتحسين إنتاجيته، أن يتم تهيئة بيئة عمله بشكلٍ يُمكّنه من الإنجاز، بل ويُحفّزه على الإبداع (في بيئات العمل الأكثر تميّزاً). وعلى الأقل فإنّه يجب أن تسير الأمور المُحيطة بالمُوظّف في عمله بشكلٍ منطقي، لكي يكون تفكيره وسلوكه وإنجازه لمهامه منطقياً بالضرورة. وإلا فكيف نتوقع أداء المُوظّف الذي يُحاط في عملهِ بأمورٍ غير منطقية (أو لا يفهم مَنطِقَهَا)؟، مثل تسمية تجاوز النظام بـ»التعاون»، وتسمية مُحاباة المقاول بـ»التفهّم»، وتسمية التأخّر في إنجاز مشاريع هامّة بـ»ترتيب الأولويات».

وكما قُلنا، فإنّ الإنسان يُؤثّر ويَتأثّر بمحيطه، لذلك فإنّ إحاطة الفرد (السائق أو المُوظّف أو غيره) بأمورٍ غير منطقية، واعتياده على ذلك بمرورِ الوقت، يُؤدّي إلى تسرُّب اللامنطقية (بشكلٍ قد لا يدركه، في اللاوعي) إلى تفكيره وطريقة أدائه لمهامه، ومن ثمّ إلى نتائج ومُخرجات عمله. وقد يكون ذلك الفرد (سائقاً أو مُوظّفاًُ أو غيره) هو النقطة الأضعف في سلسلة المسؤولية عن مُخرجات سيّئة كثيرة نُواجهها من حَولِنا.

والخلاصة: كما أنّ للطُرق الجيّدة مواصفات قياسيّة (حضاريّة)، ومُطبّقة في العديد من المُدن الحديثة، كذلك فإنّ بيئات العمل الناجحة لها مواصفات حضاريّة، تتوافق مع طبيعة الأفراد والتطوّر الحضاري البشري والإداري، وهي مطبّقة فعلاً في بيئات العمل المُتميّزة.

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين