الوقت هو حياة الإنسان على الأرض، وهو نعمة من الله سبحانه وتعالي أنعم بها على البشرية، كما أنه من الأشياء التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة، فقد رُوِيَ عن ابن حيان والترمذي في جامِعِه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزولُ قَدَماَ عبدٍ يوم القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعٍ: عن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيه، وعن مالِهِ من أين اكتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ»، فعلى الإنسان استغلال هذه النعمة في كل ما هو نافع ومفيد. وقد قيل قديماً: «الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك». إن خير مثال على استغلال الوقت في طلب العلم، ما قام به أبو الوليد محمد بن أحمد ابن رشد (1126 م-1198م) العالم الموسوعة وفيلسوف العصور الوسطي والشرق والغرب وأحد كبار الفلاسفة في الحضارة العربية والإسلامية، ولد في مدينة قرطبة بالأندلس التي كان جده كما كان والده قاضياً فيها، وقد أتاحت له البيئة التي نشأ فيها التمكن من كلتا العلوم الشرعية والعقلية في سن مبكرة من حياته، ولعل أدق ما يوصف به هذا العالم الفذ إقباله على المعرفة ونشرها، أن يقال إنه نذر نفسه وحياته لهما، حتى حُكِيَ عنه انه، قال: ما تركت العلم والمطالعة والتأليف منذ عقلت -(منذ أدركت وأصبحت قادراً على فهم ما يقال)- إلا في يومين : «يوم زواجي ويوم وفاة والدي».

ولم يجلس «ابن رشد» على عرش العقل العربي والإسلامي بسهولة ويسر، فلقد أمضى عمره في البحث وتحبير الصفحات. وبذلك كان ابن رشد ينظر الى حقيقة الحياة الإنسانية، ويعي قيمة الوقت وأهميته في اكتساب العلم والمعرفة، وكان فيما قال أميناً مخلصاً -يبدو أن هذا الرأي ليس رأي الكثيرين من الناس في وقتنا الحاضر-. قال الإمام الشافعي: «إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم». والعلم يحتاج من طالبه ألا يضيع وقته في غير طلب العلم. قال الإمام الغزالي: «العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه وإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً فعليك أن تفني حياتك حتى تتعلم». وقد أجمع كل من دخل في طلب العلم أن العناية بالوقت هو الطريق الأعظم والباب الواسع الذي يلج إليه طالب العلم الصادق.

إن ضياع يوم من أيام العلم يؤخر رقي الأمم سنين عدداً، لذلك فليس لأي أمة أن ترقى إلا بالعلم، وليس لها إلا العلم إذا أرادت أن تصبح شيئاً في ميزانِ الحياةِ السياسيةِ أو في ميزانِ الحياةِ الاجتماعيةِ بين الأمم.