شاءت الأقدار أن أنتظم كطالب في المرحلة النهائية الابتدائية في المدرسة المنصورية بحيّ العنبرية، الطيّب الذّكر، فلقد اضطرتني الأحوال ومتغيرات الزمن أن أودّع المدرسة التي كنت أقطع المسافة إليها من حيّ قباء إلى شرق المسجد النّبويّ الشّريف، وأعني بذلك دار العلوم الشرعية، ولكن ممّا بدّد الوحشة عنّي وأشعرني بالدفء والمودّة والحميمية هو أنّ مقعدي الدراسي كان مجاورًا للزميل الدكتور عبدالرحمن عبدالله يماني، وقد سمعت بألمعيته وذكائه منذ التحاقي بالمدرسة، ولم يمضِ وقت طويل حتى أضحيت وعبدالرحمن لا نفترق، وكان يسكن قريبًا من دارنا، وذلك فيما عرف آنذاك بحوش منّاع، وتردّدت على تلك الدّار؛ حيث يسكن أخي عبدالرحمن وإخوته ووالدتهم مع أخيهم الأكبر الدكتور محمّد عبدالله يماني، رحمه الله.

وطوال المدّة الزمنية -ما قبل الجامعية وما بعدها- كنت محفوفًا ليس فقط بصدق مودّة الأخوين عبدالرحمن وبسّام -رحمه الله-؛ ولكن أيضًا برعاية تلك المرأة الفاضلة، والدة محمد وإخوته: ماجد، وحسن، وزهير، وهاشم، وأخواتهم، وطبعًا الأخوين عبدالرحمن وبسّام، فلقد أشعرتني الوالدة الفاضلة السيدة: روضة عبدالمجيد خطّاب، تلطّفًا وأريحية منها، بأنّني واحد من أهل البيت.

وطوّحت بي الأيام والليالي من مكان إلى آخر، ولكن صورة تلك المرأة الفاضلة لم تغب عن ذاكرتي.. رحمك الله يا أماه.. ورحم الله الوالد السيد عبدالله يماني، الذي كان واحدًا من أبرز متقني علم الرواية والحديث في بلد الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وكنت أزوره عند قدومي للمدينة المنوّرة، في مكتبته الواقعة بالقرب من باب الرحمة، أحد أشهر أبواب المسجد النّبويّ الشّريف.

تلقيت نبأ رحيل الأخ الطيب والنبيل السيد بسّام فجأة، وبكيت بحرقة وألم شديد، ولكن لله ما قدّر وله ما أراد وحكم. فلقد كان الأخ بسّام وصُولاً لأهله وأصهاره وأصدقائه، مسخّرًا جاهه في سبيل قضاء حوائج الآخرين، ومحبوبًا لدى طلّابه، والذين قضى معهم ردحًا من الزمن، وخصوصًا أولئك الذين حظوا برعايته وتوجيهه. وأضيف أننا في اجتماعاتنا التي شهدتها مجالسهم العامرة في السيح أو في سيد الشهداء كان في حديثه يمزج الجدّ بالمزاح البريء، لقد كان بسّام غصنًا نديًا من تلك النبتة الطيبة التي تعمّقت جذورها في الأرض المباركة، التي شهدت هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين، صلّى الله عليه وسلّم، وتوسّدت ذاته الشّريفة ثراها الطاهر، ويكفيها منزلة ما تناقلته متون الصّحاح ودلّت عليه مسانيد الأثر وإثباتاته؛ حيث روي عن سيدنا وحبيبنا وقرّة أعيننا قوله، صلّى الله عليه وسلّم: «لو سلك النّاس واديًا وشعبًا وسلكت الأنصار واديًا لسلكت وادي أو شعب الأنصار». كان بسّام متخلقًا بأخلاق «القوم»، منتسبًا إليهم خلقًا وسمتًا، فقد كان وإخوته دومًا في الصفوف المتقدمة في حياة ليس فيها مقعد للمتخلفين أو المتقاعسين، كما أنهم لم يبخلوا بجاههم على من يطرقون أبوابهم، بحثًا عن المؤازرة والمناصرة والمعاضدة، وزكاة الجاه مطلب نفيس يغفل عنه الكثير ممن رزقهم الله من عطائه وإحسانه، فكان مقام الشكر يتسع للآخرين ممن ضنّت عليهم الحياة بمباهجها عندهم.. هكذا كان «بسّام» الذي رحل، لا نزكيه على الله، فهو أعلم به منّا، ولكنا نعزي فيه أنفسنا، ونستعيد شمائله وحسن سيرته بيننا، ونسأل الله أن يتلطف بنا جميعًا ويرحمنا.. فرحمة الله عليك يا أخي بسّام، وأسكنك فسيح الجنّات، والعزاء لأسرتك وأحبابك وأصدقائك ومريديك..