لا يزال ثمة إسلاميون من أهل الحركات والجماعات، وآخرون يعملون في الحقل السياسي، وغيرهم ممن يعتبرون أنفسهم رجالَ دين، يُعلنون، بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال، القدرة على التصدي لمشكلات بلادهم، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. هؤلاء موجودون دائمًا، وسيبقون حاضرين في الواقع بطبيعة قوانين الاجتماع البشري.. لا تتعلق المسألة هنا، إذًا، بإلغاء وجودهم، فهذا مما يتناقض مع تلك القوانين ابتداءً، فضلًا عن تضارُبهِ مع قيمة التعددية والتنوع ورفض الإقصاء التي ينادي بها كثيرون.. من هنا، يتعلق موضوع هذا المقال بأهلية هؤلاء للتصدي لتلك المشكلات، وقدرتهم على أداء المهمة.

«الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعةٍ متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجرى حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية، التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركبًا كليًا متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلًا للحياة».

هذا أحد تعريفات الثقافة التي أوردناها في الجزء الأول من المقال، والسؤال الذي يطرح نفسه على الإسلاميين المذكورين أعلاه هو التالي: هل يملك أحدٌ الزعمَ بوجود ما لهُ علاقة بهذا التعريف في طروحات وخطاب وممارسات الإسلاميين الحركيين والحزبيين ورجال الدين على اختلافها وتنوعها؟ السؤال مطروحٌ بقوةٍ ووضوحٍ وصراحة، وجدّيةٍ يقتضيها المقام.

بالتالي، لا تكفي في هذا الإطار الشعارات، ومنها شعار (الإسلام هو الحل) بتلويناته المختلفة.. ولا يكفي برنامجٌ سياسي نظري تطرحه هذه الجماعةُ أو ذلك الحزب حاملًا عناوين فخمة، في حين أن مضمونه أقرب بكثير لعمليات القصّ واللصق. هذا فضلًا عن (الفِصام النَّكِد) بين ذلك المضمون وممارسات أصحابه في كل مجال. ولا تكفي، بطبيعة الحال، المدونةُ الفقهية الممتلئة بأحكام وفتاوى غالبيتُها العظمى تُحيل إلى محاولات تاريخية لتنزيل الدين على وقائع ذلك التاريخ، هدفُها في أحسن الأحوال تحقيقُ مقاصده بما يُلائمُ ظروف زمانٍ مختلف.‬‬‬

مهمٌ جدًا إعادةُ التأكيد هنا بأننا لا نتجاهل خصوصية الظروف الراهنة وملابساتها في بلاد العرب والمسلمين.. لأن من السهولة بمكان خلطَ الأوراق و(اتهامُ) هذه الرؤية بكونها دعوةً، في غيرِ وقتها، للترف الفكري.. فعلى العكس من ذلك تمامًا، يحمل الكلام دعوةً للتعامل مع تلك الخصوصية، وتحدياتها الكبيرة، وإنما من المدخل المناسب.

أين تكمنُ الصعوبةُ في إدراك حقيقةٍ بسيطة يؤكدها الواقع بوضوحٍ وجلاء: إن خطاب الإسلاميين الحركيين والحزبيين ورجال الدين، وطُرُقَ تفكيرهم وطروحاتهم، كانت ولا تزال تتمحور حول جملةٍ من الشعارات والمقدمات العامة والنظرية المجردة.. خاصةً أن الحديث هنا يأتي في معرض التعامل مع مسائل وقضايا الحياة المعاصرة بكل تعقيدها وتداخلها.

ثمة من هو على قناعة، ويريد أن يقنعنا، بأن كل الإجابات على أسئلة العصر الكبرى، موجودةٌ في تراثنا، وبأدقِّ التفاصيل. هذه مقولةٌ شائعةٌ تُشهَرُ سيفًا، ليس فقط في وجه كل من ينادي بضرورة بذل جهدٍ لـ«تقديم مجموعةٍ متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجرى حياتها»، بل في وجه واقٍعٍ عمليٍ يؤكدُ بأن الإجابات ليست موجودةً في ذلك التراث.

والوصول لتقديم الإجاباتِ تلك يحتاجُ جُهدًا مقدرًا يُشدِّدُ عليه تعريفُ الثقافة بدايةَ المقال. في حين أن الطرح المقابل ينبعُ من الكسل الفكري والثقافي الذي يختار الاعتماد على جهدٍ سابقٍ بُذل لتقديم إجاباتٍ على أسئلةٍ قديمة.

لهذا، يبدو طبيعيًا أن يشير التعريف المذكور إلى مسألة المواجهة: «المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتُشكل بذلك مُركّبًا كليًا متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلًا للحياة».

وفي اعتقادنا أن المواجهة، في حالتنا، عربًا ومسلمين، ليست واجبةً فقط مع القضايا الجذرية الكامنة خلف تحديات العصر، وإنما أيضًا المواجهة مع فكرٍ تقليديٍ يرفض هذا الطرح بمجمله. يحصل هذا حينًا بتلبيسه شبهة تقليد (الغرب)، وأحيانًا بدعوى (الخوف على الإسلام) من هذه الطريقة في التفكير، والتلويح بمظنّة كونها انتقاصًا من (كمال الإسلام).

كيف تظهر الحيوية الهائلة الكامنة في هذا الإنسان؟ وكيف تتكرر المواجهة مع القضايا الجذرية والأساسية، إذا لم تحصل تلك المواجهة مع الفكر التقليدي أصلًا؟‬‬‬ ففي معزلٍ عن حصولها سنبقى معلقين من رقابنا بمُركّباتٍ ثقافية جزئية، تفتقد المعنى، مفككة، وغير قابلة للحياة.