لَسْتُ بائعاً لمعسول الكلام، لكنّ قلبي يتألّم عندما أرى مواطناً عاطلاً عن العمل، وليسمح لي هذا المواطن أن أصفه بما يملك من شهادات دراسية مثل الطائر الذي يملك جناحيْن كبيريْن لكنّه لا يجد فضاءً واسعاً يطير فيه، أو مثل السمكة التي تملك زعانف سريعة لكنّها لا تجد بحراً عميقاً تعوم فيه، وحتّى لا يغضب «البرّ» بعد أن ذكرْتُ «الجوّ والبحر» أختم وصْفي للمواطن العاطل بأنّه مثل الحصان الذي يملك سيقاناً قوية لكنّه لا يجد مضماراً طويلاً يُسابِق فيه الريح!.

وهناك جهود من جهاتنا المعنية بمكافحة البطالة، لا أنكرها البتّة، لكنّها ليست في مستوى الحدث، فوزارة الخدمة المدنية، المعنية بالتوظيف في الجهات الحكومية، لم تُسبِغ المرونة الكافية في الوظائف الشاغرة التي يُقال إنّها بعشرات الآلاف، فحُجِبَت عن العاطلين لأسباب تخصّ تسميتها أو مسابقاتها أو أو أو، فكانت العاقبة هي ثبات البطالة على نسبة مُعيّنة لا تقلّ، وكأنّها جبل ما تهزّه ريح!.

أمّا وزارة العمل فعذراً إن قلت أنّها «حاصت» بين المواطن والمُقيم في بحر وظائف القطاع الخاص، الذي أستطيع القول إنّ المُقيم أجاد السباحة فيه أكثر بكثير من المُواطن، رغم كلّ القوانين التي شرّعتها الوزارة وتُعدّلها من فترة لأخرى، وما زالت الوزارة «حائصة» حتّى تاريخه!.

وحتّى جامعاتنا لها دور في خلق البطالة، وكنت أتمنّى أن تلعب دوراً غير تقليدي في توظيف طُلّابها، وأنا أعرف أنّ دورها تعليمي بحْت، ولا ألومها على البطالة، لكن ما المانع أن تفعل شيئيْن اثنيْن يُقلّلان نسبة البطالة، هما طرحها لتخصّصات دراسية أكثر ملاءمة لسوق العمل، وعقدها لاتفاقيات رسمية مع الجهات الحكومية والشركات الخاصة لتوظيف طُلّابها بعد التخرّج، فالجامعات هي أمّ الطُلّاب الروحية، ودورها مثل دور الأمّ في البيت قبل بلوغ أبنائها سِنّ السادسة، تُجهّزهم جسدياً ونفسياً ومعنوياً لهذه المرحلة، لكنّ لسان حال جامعاتنا يقول: أنا مالي شغل، عليّ التعليم، وعلى غيري التوظيف، وما علمت أنّهما نصفان غير قابلين للتجزئة، وكأنّهما توأم سيامي لا ينفصلان!.

والبطَالة (بفتح حرف الطاء) صارت بطّالة (بتشديد حرف الطاء)، وما أتمنّاه هو إزالتها من مشهدنا بكلّ حروفها، وبكلّ تشكيلات حروفها، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً!.