ابتسم جون كيري وزير الخارجية الأمريكية الأسبق أمام كاميرات التلفزة، لدى دخوله غرفة صغيرة خُصِّصت لاستضافة جلسة مفاوضات (خاصة) مع وفد دولة شرق أوسطية، على هامش مؤتمر دولي للمناخ.

حاول كيري أن يبدو (مرح الأعطاف)، واثقًا من قدرته على إنجاز أهدافه بأقل مجهود، وما إن غادرت كاميرات الصحافة وقنوات التلفزة قاعة المحادثات، حتى تحوَّل الرجل البشوش إلى وجه متجهِّم، عاجل مفاوضيه بإشارات آمرة تحرَّكت معها سبابته، وتبدَّلت نبرات صوته من مقام (نهاوند) الحنون، إلى مقام (العجم) الصاخب: «عليكم أن تفعلوا كذا وكذا.. لا وقت لدينا لكذا وكذا.. أمريكا لن تسمح بكذا وكذا....».

كان كيري يتحدث -حسب رواية شاهد عيان-، والآخرون يُطالعون وجهه واجمين، وما إن انتهى بعد ثلث الساعة، مما بدا كحصة إملاء، حتى نظر إلى ساعته قبل أن ينهض معلنًا انتهاء الاجتماع، فما يقوله وزير خارجية القوة العظمى ليس موضوعًا للتفاوض..!

كانت الولايات المتحدة المنتج رقم واحد للانبعاثات الكربونية الملوِّثة للبيئة، والناجمة عن النشاط الصناعي المفرط، تريد في هذا الاجتماع الذي بدأه كيري أمام الكاميرات، بدعابات ضاحكة، وأنهاه خلف الأبواب المغلقة، بإشارات تحذير من سبابته، مطالبًا بأن يتعهد وفد دولة صغيرة حصتها من النشاط الصناعي أقل من واحد بالمائة، بخفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النشاط الصناعي.

جاهدت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، من أجل تمرير معاهدة المناخ، التي اعتبرتها أحد منجزاتها، فيما جاهدت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب من أجل الانسحاب من ذات المعاهدة، مع إبداء استعداد للتفاوض مجددًا حول شروطها.

ما تريده أمريكا ترامب، لا يختلف كثيرًا عما أرادته أمريكا أوباما، الاختلاف بين الزعيمين ليس حول الهدف، وإنما حول الثمن.

كان أوباما على استعداد للمساهمة (الرمزية) في ثمن خفض الانبعاثات الكربونية، أما ترامب فيريد أن يُسدِّد الآخرون حصة بلاده في خفض ذات الانبعاثات.

دوافع أوباما وطنية جرى تلبيسها رداءً إنسانيًا، أما دوافع ترامب فهي وطنية مُفرطة، لا ترى حاجة للبحث عن غطاءٍ إنساني لسلوك نفعي.

الخلاف بين ترامب وأوباما، هو حول الأدوات لا الغايات، وهو ناجم عن اختلاف درجة، وليس عن اختلاف نوع.. كلاهما يريد تشديد قبضة الزعامة الأمريكية للنظام الدولي. لكنهما يختلفان حول ثمن تلك الزعامة.. أوباما كان يرى أن على أمريكا أن تُسدِّد ثمنًا أقل لزعامتها، وترامب يرى أن على العالم أن يُسدِّد ثمن الزعامة الأمريكية للنظام الدولي.

بعد عشر سنوات من خطاب تاريخي وجَّهه الرئيس الأمريكي السابق أوباما إلى الشعوب العربية من فوق منبر جامعة القاهرة، وقاد لاحقًا إلى موجات من العنف والاضطرابات، خلع عليها الإعلام الغربي اسم (أحداث الربيع العربي)، يعود مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي إلى القاهرة ليُلقي خطابًا مماثلًا من فوق منبر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ربما يحاول فيه محاصرة تفاعلات ما بعد الربيع العربي.

أكتب هذه السطور، مستبقًا خطاب بومبيو، ببضع ساعات، لكن تصريحات لمساعديه، وتسريبات صحافية أمريكية تحدَّثت عن أن الرجل جاء لينقض غزل أوباما.

فقد نقل موقع صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية عن مصادر وصفها بأنها (عليمة) فى الخارجية الأمريكية قولها: إن بومبيو سيحرص خلال زيارته للقاهرة تحديدًا على توجيه انتقادات حادة إلى سياسات إدارة الرئيس الديمقراطى السابق باراك أوباما تجاه دول الشرق الأوسط، والتى تسبَّبت فى انزلاق أكثر من دولة عربية في الفوضى، وتعرُّضها لخطر الإرهاب.

أمريكا تريد طمأنة حلفائها في المنطقة بأنها باقية حتى استئصال داعش، والقضاء على التهديدات الإيرانية لدول المنطقة، لكنها تريد إنجاز المهمة بأقل أعباء ممكنة، وتتوقع من حلفائها بالمنطقة أن يتحمل كل منهم نصيبه منها.

ما فعله كيري الذي افتتح اللقاء المشار إليه في مقدمة هذا المقال، بدعابات، وأنهاه بتعليمات وتحذيرات، قد يُكرِّره مايك بومبيو في جولته بالمنطقة، والتي تشمل ثماني محطات شرق أوسطية، أغلبها عربية، لكن المنطقة التي أطلق منها أوباما قبل عشر سنوات، شرارة (الحريق العربي)، ليست هي ذاتها المنطقة التي تستقبل وزير خارجية القوة العظمى التي تتخفف من أعباء القيادة، فقد مرَّت مياه كثيرة تحت كل الجسور بالمنطقة.