الجنادرية تظاهرة وطنية، تراثية، ثقافية، واجتماعية، تُقام كل عامٍ برعاية وزارة الحرس الوطني في عاصمة المملكة العربية السعودية الرياض، وتشارك فيها معظم مناطق المملكة لتبرز أهم موروثات هذا الوطن من مقتنيات الزمن الجميل الذي عايشناه وعايشه السواد الأعظم من سكان هذه البلاد المباركة، كما تُعزِّز الهوية الوطنية، وتُؤكِّد أن هذا الوطن له تاريخ عريق، وماض تليد، وخصائص اجتماعية وحضارية متوارثة عن الآباء والأجداد تختلف عن معظم دول العالم، لما فيها من الأصالة والبساطة الشيء الكثير، كما تحتوي على معظم الحِرَف والصناعات اليدوية الخفيفة، التي كانت تُلبِّي احتياجات الناس في تلك الفترة من الزمان، وتفي بتيسير أمورهم الحياتية البسيطة الخالية من ضروب التعقيد.

التنوع الحرفي القديم، والصناعات اليدوية الخفيفة، واستخدام موارد البيئة الطبيعية المتاحة وتسخيرها لخدمة المجتمع في ذلك الزمان، كانت من أبرز إسهامات الجنادرية وأكثرها جذبًا للسياح والزائرين لهذه المناطق التراثية، وكانت معظم المقتنيات القديمة مستقاة من البيئة المحيطة، مثل ما ينتج من النخيل ومكوناته، وتحويلها إلى صناعات يدوية خفيفة يُستفاد منها؛ إذ إن هذه الشجرة المباركة كما وصفها النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح، تركت لنا إرثًا حضاريًّا قائمًا بذاته حتى اليوم، ويستخرج منها الكثير من الفوائد التي كان لها أثر عظيم في حياة أسلافنا وحتى اليوم، وهناك الكثير من الحرف التي أوشكت على الاندثار مثل الصناعات المعدنية، وصناعة الفخار، والفرش، والأواني وغيرها كثير، الذي يُذكِّرنا بماضينا التليد.

الحراك الثقافي كان موجودًا هناك، وله أثر بالغ في إبراز الرواد الأوائل من الأدباء والشعراء، والمثقفين من أبناء هذه البلاد، الذين أثروا الساحة الأدبية؛ لما كان لإسهاماتهم من أثرٍ جيد في حياة من جاء بعدهم، وتركوا لنا تراثًا أدبيًّا رفيع المستوى، لما يتمتعون به من ثقافة موسوعية، وعلوم معرفية جمة، كان لها دور بارز في إذكاء الحركة الفكرية في تلك الحقبة من الزمن.

شكرًا لكل من أبدع وشارك في هذه التظاهرة السعودية الفريدة من أبناء هذا الوطن، خاصة مقتنيات مناطق المملكة المختلفة، التي أبرزت أجمل ما لديها من التراث السعودي القديم من فنونٍ شعبية، وأسواق قديمة، ومأكولات، وأسهم أفرادها بالمشاركة في التعريف بمحتويات مكوناتها وإبراز هوية هذه البلاد الإسلامية المباركة، التي امتدت إليها يد التنمية والتطوير لتشمل معظم مناحي الحياة.

تحية شكر وتقدير لمقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- ولأمراء المناطق وأبناء الشعب السعودي النبيل كافة المهتمين بتراثنا القديم المُمثَّل في الجنادرية، والتي نأمل أن يكون لها فروع مماثلة في جميع مناطق المملكة، لإبراز أهم مقتنيات كل منطقة، وإشراك أهلها في العناية بتراثهم المجيد، وهو جزء لا يتجزأ من هوية هذه البلاد الضاربة جذورها في أعماق التاريخ. ولسان شاعرنا العربي الأصيل يقول:

هذه آثارنا تدل علينا فإذا متنا فانظروا إلى الآثار!