عَوْدٌ إلى «لفِّ اليابانيِّينَ ودورانهم» لكسب زبون جديد لتصريف منتجاتهم؛ أو التعاقد معه للبدءِ بمشروع تنموي في بلده، بعد أن تمكَّنت اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالميَّة الثانية في أقلِّ من عقدين من الزمن من التحوُّل من الصناعات الحربيَّة إلى الاستهلاكيَّة، التي تُلبِّي حاجات الأسواق العالميَّة.

يبدأ اللَّف والدوران من لحظة هبوط الطيَّارة في مطار هانيدا الدولي، وعلى متنها زبون منتظر، ليجد بانتظاره موفد الشركة.. بعد الترحاب، يستقلَّان سيَّارة الشركة إلى الفندق الذي تمَّ فيه الحجز للزائر. في الطريق إلى الفندق تكون هناك مدَّة كافية لتبادل الحديث مع الزائر الضيف والتعرُّف إلى طبيعة أعماله في بلده وحجمها، وما الذي ينوي الحصول عليه من اليابان، وبعد استكمال الحجز في الفندق، يُودَّع الزائر على موعد بلقاء صباح اليوم التالي، لتناول وجبة الفطور، ومن ثمَّ التوجُّه إلى مقرِّ الشركة.

في صباح اليوم التالي، يصل مندوب الشركة ويصحب الزائر إلى مطعم الفندق لتناول وجبة الفطور. ومع الطعام يدور حديث مشابه تقريبًا لما دار أمس، ثمَّ عن المدَّة التي في برنامجه للبقاء في طوكيو أو سواها في اليابان! وعند الوصول لمقرّ الشركة يتمَّ اللقاء في مكتب الرئيس، فيرحبون بقدومه وشكره لاختيار اليابان لتوسيع أعماله، والسؤال عمَّا يريده من اليابان! والتأكيد بالحصول على ضالَّته. ويستفيض الرئيس باستجواب غير مباشر لمعرفة المزيد من المعلومات.. ويتواعدان على لقاء عشاء في المساء. وبعد الاجتماع، يلتقى رئيس الشركة موفدها الذي استقبل الضيف، ويستفسر عمَّا دار من حديث مع الزائر لدراسة شخصيَّته.

على العشاء، مع اثنين أو ثلاثة من موظَّفي الشركة الذين أحيل إليهم طلب الضيف القادم، يدور حديث متشعِّب، القصد منه دراسة حاجته ومدى جدِّيته. وقبل المغادرة، يعلم الضيف بترتيب برنامج سياحيٍّ له لعدَّة أيَّام للتعرُّف على اليابان. أيام يحتاجها المختصُّون لدراسة ما قُدِمَ من أجله. ويُصاحبه في الرحلة أحد موظفي الشركة الخبير في الترفيه... فرصة إضافيَّة لدراسة الشخصيَّة.

يعود صاحبنا إلى «كمين» الشركة، وقد رتِّب له برنامج بطوكيو، ووجبات غداء وعشاء في العديد من المطاعم، بحجَّة أنَّ موضوع طلباته ما يزال قيد الإعداد. وفي اليوم الأخير من برنامجه في اليابان، يعلم بأنَّ رئيس الشركة سيلتقيه لتناول وجبة عشاء.. أي إعلامه بالموافقة على تلبية ما جاء من أجله. مع فنجان الشاي الياباني بعد العشاء، تقدَّم الأوراق للتوقيع عليها، ويُودَّع بحفاوة، ويُغادر اليابان كما استقبل.

وهكذا لم تُترك له فرصة الاتِّصال بشركات منافسة. هذا الأسلوب كان الغالب في التعامل قبل تربُّع اليابان على قمَّة الاقتصاد والصناعة والتقنية. لكن مع التجارب والخبرات، ينصح كتيِّب أمريكي من يودُّ التعاقد مع اليابانيِّين عدم التصريح عن المدَّة التي سيمضيها في اليابان لإعطاء انطباع بأنَّه قد يزور شركات أخرى للغرض ذاته، وللحصول على عروضٍ أفضل.