كلّ الصحابة يستحقّون الإكرام، حتّى لو كانوا موْتى، بالترضّى عليهم، وعدم الخوض في اختلافات بعضهم البينية؛ التي اجتهدوا فيها بعد وفاة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فهم أمّة قد خلت، وقد أفضوا إلى ربِّهم بعد حياة عامرة بنُصرة الإسلام ونبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم!.

ومن أهمّ مظاهر إكرامهم فيما أرى: تجنيب قبورهم كلّ ما يُخالِف التوحيد الذي قام عليه الإسلام، وما كان له أن يقوم على سواها!.

والصحابي أبوأيّوب الأنصاري يستحقّ إكرامًا خاصًّا؛ لإكرامه الكبير للنبيّ صلى الله عليه وسلم، الذي أقام في بيته مُدّة سبعة أشهر حتّى بُني المسجد النبويّ، وكان أبوأيّوب يُلِحّ على النبيّ أن يُقيم في جزء بيته العُلوي لكنّه أبى، وزاد في إكرام النبيّ، ولم يكن يأكل حتّى يفرغ النبيّ من الأكل، فيسأل عن موضع يده ويأكل من ناحيتها، وذات يوم كُسِرَت جرّةُ ماء في بيته ففَزِعَ هو وزوجتُه، وقاما إلى فِراشٍ لهما يُجفّفان به الماء؛ خشية أن يَقْطُرَ على جزء البيت الأسفل، ثمّ استمرّ في الإلحاح على النبيّ حتّى وافق على الانتقال للأعلى، وله موقف مُشرِّف في حادثة الإفك المزعومة؛ إذ سألته زوجتُه عنها فقال إنّها الكذب المُبين على عائشة أمّ المؤمنين، هل كُنْتِ يا أمّ أيوب تفعلينه؟ فقالت: لا، قال: فعائشة أفضلُ مِنْكِ ولن تفعله!.

وحقًّا، أهكذا يُكرم أبوأيّوب في أهمّ مظاهر الإكرام؟ حيث هو مدفون الآن في اسطنبول التركية -أو القسطنطينية- التي طلب هو خلال جهاده في سبيل الله أن يدخلها الجنود المسلمون ويدفنونه إذا مات في أبعد مكانٍ فيها يستطيعون دخوله، فوُورِى الثرى في مكان قبره الحالي، وبنت الدولة العثمانية جامعًا كبيرًا بجواره، هو تُحفة معمارية لا يُقلّل منها سوى سلوكيات بعض الأتراك، بالتمسّح على القبر، والدعاء باتجاهه لا باتجاه القبلة، والاعتقاد أنّ الدعاء مُستجاب عنده، بل ذهب بعض الجهلة إلى الاعتقاد أنّ منطقة القبر بأهمية المسجد الحرام فيقول بعضهم لبعضٍ مُتعجّبًا: أتذهب لمكّة وعندك قبر أبي أيّوب؟!.

وتركيا التي تزعم أنّ الإسلام أول اهتماماتها، مُطالَبة بإكرام أبي أيّوب لا الغلوّ فيه، لا سيّما أنّ السُيّاح الأجانب من كلّ دول العالم يزورون جامعه، ويظنّون أنّ هذا هو الإسلام الحقيقي، وقد يعتنقونه بهذا الغلوّ، وما هو كذلك، بل هو توحيد خالص ليس فيه مقدار ذرّة من شائبة!.