منذ العصر الجاهلي حتى يومنا هذا، والعرب يعيشون حالة من التأخُّر المستدام في ظل ما يعيشه العالم من حولهم من تسارعٍ حضاري، حتى أصبح ذلك التأخُّر صفة يُوسمون بها، وحالة إقرار لهذه السمة من قِبَل أهلها، وكم هي كثيرة الحوارات المجالسية أو الإعلامية التي تُؤكِّد ذلك، وفي محاولة منِّي لاستجلاء أهم الأسباب التي أفضت إلى ذلك الحال غير المرضية، طرحت بعض التساؤلات عليَّ برفقة الأحبة القراء، لنصل إلى بعض تلك الأسباب، ونطرح الحلول لها، لذا طرحت بعض التساؤلات التي أراها أكثر احتمالاً وهي:

- هل العقلية العربية تختلف عن الأمم الأخرى في درجة الذكاء؟!

- هل البيئة العربية طاردة للتفكير المبدع وللمبدعين؟!

- هل لطبيعة الأنظمة العربية قديماً وحديثاً الأثر البالغ على طبيعة تلك الحالة من التأخُّر؟!

وفي محاولة مني لتشخيص تلك الحالة العرباوية، انطلاقاً من تلك التساؤلات المطروحة، فأقول: إن العقلية العربية لا تختلف عن بقية العقليات العالمية من حيث درجة الذكاء، والدليل على ذلك النبوغ المبهر للكثير من العقليات العربية التي برزت في مختلف العلوم، عندما هاجرت إلى دول العالم الأول، وكان لها مساحة كبيرة من الإنتاج العلمي، لذا نستبعد هذا السبب.

وبالنسبة للبيئة العربية، فأراها من وجهة نظري تتحمَّل جزءاً من المشكلة، وعندما نقول البيئة، فنقصد بذلك الأنظمة التعليمية التي تشكو قصوراً مستداماً عند العرب قديماً وحديثاً، وهذا يُؤكِّده الترتيب المتأخِّر الذي يُحدَّد فيه مكان الدول العربية في قائمة دول العالم، بالإضافة إلى الطرائق المتبعة والمناهج الدراسية، ومن مُؤثِّرات البيئة، الظروف الاجتماعية التي تحدُّ من النبوغ، كالفقر والعادات والتقاليد، ومن الأسباب ذات العلاقة بالبيئة، قصور القطاع الخاص في مجال احتواء الشباب وتطوير مهاراتهم، ولا ننسى أيضاً أن بعض الوُعَّاظ كان لهم أثرٌ بالغ من خلال طرحهم لكثير من الفتاوى التي تُحرِّم الكثير من ممارسات الإبداع والابتكار.

أما طبيعة الأنظمة العربية، فأرى أن أغلبها يتحمَّل الجزء الأكبر من المشكلة، كون تلك الأنظمة إما مُتقَادمة الفِكر أو محدودة التعليم، وخاصة الأنظمة التي كان يحكمها الأنظمة العرفية التي تتغيَّر وتتبدَّل حسب الظروف والأحوال المحيطة، عدا بعض أنظمة الحكم الحديثة التي كان لها الدور الأكبر في إحداث عمليات التطوير ودعم الإبداع والابتكار لأبناء دولهم.

ولعلنا من خلال الطرح السابق نلفت النظر ونشير إلى بعض الجوانب ذات العلاقة بالتأخُّر الذي يعيشه العالم العربي منذ قرون، والذي تحوّل معه المواطن العربي أخيراً إلى مستهلك لما ينتجه الغير من دول العالم الأول، والمحزن أن الوطن العربي تتوفَّر به كل مقوَّمات التطور، كالثروات المادية والبشرية والمواقع الإستراتيجية والعقول المبدعة المبتكرة، لكن كل ذلك لا يجد غالباً مَن يُحسن تطويعها لتتحوَّل تلك المجتمعات العربية، من أمة مستهلكة للمعرفة، إلى أمة منتجة لها، وكم أتمنى أن يحظى هذا المقال بالتعليق، وطرح الجوانب التي أغفلها الكاتب، والأهم من ذلك أن يكون منطلق لحالةٍ جديدة للعالم العربي. والله من وراء القصد.