أجدني منحازًا بلا تردُّد لكُلِّ مَن كتب في جريدة "اليوم السابع"؛ منتقدًا أو حتى مهاجمًا لظاهرة "فاطمة ناعوت"، التي وصل بها الحال -حال التنوير الزائف- لحد الزعم بأن اليهود في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تعرَّضوا في مصر للتهجير القسري والتعذيب، ونهب ممتلكاتهم!

وأجدني معاتبًا بل منتقدًا؛ بيان لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى للإعلام، والذي جاء، ليس فقط ليمسك العصا من النصف، أو من النصفين، وإنما جاء على طريقة "يلا العبوا سوا"!

ولقد كان يمكن أن يكون "اللعب سوا" في بيان اللجنة جائزًا، بل وواجبًا، لو أن الأمر يختص بالأهلي والزمالك، على سبيل المثال، لكنه يختص هذه المرة بأشياءٍ أبرزها الإساءة لمصر، وأقلها تقديم الهدايا لإسرائيل على حساب شعب؛ بل شعوب الأمة الإسلامية كلها!

أعرف عاقبة كل مَن يتصدَّى هذه الأيام للدفاع عن شأن تاريخي تراثي عربي أو إسلامي، ذلك أن تهمة التخلُّف والرجعية جاهزة، سواء تعلَّق ذلك بمهاجمة مَن يُريد حذف آيات قرآنية، أو يُقلِّص السنة النبوية، أو تعلَّق بالدفاع عن القدس والمسجد الأقصى!

وأعرف أكثر من ذلك، فكلما زادت حملات الدفاع، كلما شعر روَّاد التنوير الجُدد بالزهو، وكلما ظنوا وهمًا أنهم تلاميذ أوفياء لرفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، ولطفي السيد وطه حسين!

تقول اللجنة فيما يختص بالخلاف بين ظاهرة "فاطمة ناعوت"؛ والكُتَّاب الذين تصدّوا لها في اليوم السابع: إن ما نشرته "ناعوت" لا يخرج عن كونه مجرَّد رأي شخصي للكاتبة، خلطت فيه بين تعاطفها الشخصي وبين الوقائع التاريخية الثابتة، إلا أن هذا الخلط سواء جاء بحُسن نية أو بسوء قصد، لا يُبرِّر إطلاقًا النيل من صاحبته، واستخدام ألفاظ وعبارات وإيماءات؛ بأن ولاءها لدولةٍ أخرى!

ورأت اللجنة أن حرية الرأي والتعبير حق أساسي من حقوق الإنسان، لا يجرؤ أحد على الانتقاص منه أو الاعتداء عليه، وهو حق محمي بموجب الدستور المصري، وأن الرد على أي أخطاء في الرأي، يجب ألا يخرج عن تصحيح هذه الأخطاء المغلوطة، بالاستعانة بالمختصين والمؤهلين، وليس تشويه صاحبه!

من حسن الحظ، أن أحدًا لم يستعن بالأزهر، أو بمجمع البحوث، أو بأي من المختصين والمؤهلين، ذلك أن هؤلاء جميعًا لم يسلموا ولن يسلموا من ألسنة، بل من سلاطة لسان، مَن لم يحترموا مُقدَّسات أمتهم!

من حسن الحظ كذلك، أن الأمر يختص هذه المرة بسمعة مصر، وما أكثر المنافحين عنها، وليس بسمعة الدين الذي اتهمته الكاتبة نفسها بالدموية، مستندة على ما يحدث في سنة الأضحية!

من حسن الحظ كذلك، أنها دخلت في شأن إسرائيلي مباشرةً؛ من باب الاضطهاد المصري المزعوم لليهود في الخمسينيات والستينيات، وليس من الأبواب المعتادة الأخرى عن "صلاح الدين"، و"القدس"، والحق التاريخي المزعوم لإسرائيل في أرض فلسطين!

وفيما انحازت السفارة الإسرائيلية بالقاهرة على صفحتها الرسمية، لظاهرة "ناعوت"، اهتدت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لحل وسط: إلزام "ناعوت" بالاعتذار لصحيفة "اليوم السابع" ولكُتَّابها، بعد اتهامها بسب وقذف المؤسسة والعاملين فيها، وتوجيه لفت نظر إلى الصحيفة، وإلزامها بالاعتذار للكاتبة!

لاحظ معي هنا؛ أن إسرائيل باتت قاسمًا مشتركًا أعظم في كل أطروحات دعاة التنوير الجُدد! فالهجوم على صلاح الدين الأيوبي، يستهدف التهوين من قضية الأقصى، والتشكيك في مكان الأقصى، يستهدف نسف قضية فلسطين.. وهكذا، فإن مر الأمر بسلام، أو حتى ببيان، فلا مانع من إعادة الكرَّة، وبالمرة إزجاء السلام لإسرائيل!

لاحظ كذلك، أن التنوير المقصود هذه الأيام لا علاقة له بانفتاح العقل، ولا حتى بتحريره، إنما المقصود هو معاداة كل مَن يُعادي المشروع الصهيوني، ويُقاوم التوسُّع الإسرائيلي.

لاحظ كذلك، أن شعارات حرية التعبير، والتسامح مع الآخرين، تُستَخدم في حالة إسرائيل فقط، ولا تُستخدم داخل جُل الأوطان العربية، بل إنها لا تُستخدم غربيًا ضد أعمال قهر الفلسطينيين.

ويبدو أنني على هذا النحو، وخوفًا على الأجيال الحالية والقادمة، سأظل أعتبر أطروحة المُفكِّر المصري الراحل "جلال أمين"، مذكرة دفاع رصينة فيما يتعلق بالرد على المسيئين للتراث العربي والإسلامي بدعوى التأريخ الجديد، وعن القِيَم الإسلامية، بل الإنسانية بدعوى التنوير.

وفي ذلك يقول "جلال أمين": لقد زاد في العقدين الأخيرين عدد الكتابات المنشورة في مصر، التي تتناول بعضًا من أغلى المقدسات لدى المصريين، بأقل من الاحترام الواجب لها، وليس صحيحًا أن هذه الظاهرة تُعبِّر عن اتجاه قديم، أو أنها استكمال مسيرة متواصلة من "الإصلاح".. إن الظاهرة تظهر وتخبو، تقوى ثم تضعف، مما يُوحي بأنَّ هناك بعض الظروف الاجتماعية التي قد تكون مسؤولة عن اشتداد قوة هذا الاتجاه أو أفوله!

ويمضي "جلال أمين" مُحذِّرًا من أصحاب هذه الظاهرة، الذين يثقون بأن أطروحاتهم المسيئة ستضمن لهم احتفال وسائل الإعلام الغربية بهم، وقد يعني هذا "شهرة عالمية، أو على الأقل تلقِّي دعوات بصفةٍ منتظمة، لحضور المؤتمرات التي تُعقد في بلاد؛ ذات أسماء ساحرة، لمناقشة آخر ما يحدث مِن تطوُّرات في بلادنا التعسة!"

أخيرًا أقول: إن سمعة مصر، فضلًا عن سمعة التراث العظيم، لا يجوز التعامل معها، سواء على الصعيد الإعلامي، أو أي صعيد آخر، لا على طريقة الخلاف بين محمود الخطيب ومرتضى منصور، أو بين هاني شاكر ومحمد رمضان، أو على طريقة فستان رانيا يوسف.