خلال الأحداث السورية منذ اندلاع الثورة حتى اليوم، والمعارضة تلقي مراسيها على شاطئ التفاوض، وبشار الأسد يستعيد نفوذه وسلطته، ويسحب جيوشه ويُعيد مقاتلاته وبراميله المفخخة وصواريخه إلى قواعدها، بعد ما أحدثته من إبادة جماعية، وتدمير لمنجزات الشعب السوري على مدى تاريخه الطويل، المحكوم بالحديد والنار، أصبح الشعب السوري تحت رحمة تضارب مصالح القوى من جهة، وجيش بلاده الذي تحوَّل عدواً له من جهة أخرى، منذ 2011م حتى طلائع عام 2019م، والشعب السوري يعاني من القتل والدمار والتشرد، واللجوء إلى كل بقعة أرض، حتى لو لم يتوفَّر بها أدنى مُقوِّمات الحياة، إلا أنها تُوفِّر لهم الأمن من الصراع الدائر على أرضهم وفوق رؤوسهم.

الآن تنسحب القوى التي شاركت في دعم القوة لتدمير وإبادة الشعب السوري، إيران، روسيا، بينما وجدت تركيا الفرصة لتفعيل اتفاقية أضنة، تلك الاتفاقية التي تم توقيعها بين تركيا وسوريا عام 1998م، والتي تُلزم الطرفين بمنع دخول الجماعات المتطرفة إلى الأراضي التركية والسورية، مع أن تركيا سمحت للجماعات المتطرفة المرور من أراضيها للمشاركة في الحرب الدائرة في سوريا، وضاعت أهداف الثورة السورية في لجة الصراعات بين الجماعات المتطرفة والمتفرقة، كل جماعة تدافع عن أهدافها الدموية، حتى ضاعت الطاسة، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح الخاسر الأوحد هو الشعب السوري.

الآن تُفصح تركيا أو أردوغان عن أهداف الاتفاقية التي لم يتذكَّرها إلَّا الآن، والأمور في سوريا تتجه نحو الحل؛ بين المعارضة التي خسرت نضالها؛ وسط صراع القوى المختلفة، وبين الحكومة السورية التي ضحَّت بالشعب السوري وبالمدن والقرى العريقة لتبقى صامدة على كرسي الحكم، الآن فقط تُريد تركيا تنفيذ بنود اتفاقية أضنة، والتمدُّد داخل الأراضي السورية لحماية حدودها، بينما انتهزت فترة الصراع، وتمدَّدت فعلياً في العمق السوري، بدعوى محاربة الإرهاب، بينما كانت الجماعات الإرهابية تتخذ حدودها منفذاً إلى الأراضي السورية!.

تركيا تُحاول استعادة الحقبة العثمانية في سوريا «1516-1918م» تُلوِّح بما تملكه من وثائق، تُثبت أحقيّتها في قرى محافظة إدلب المتاخمة للحدود التركية، وتذرَّعت بوجود مقابر تعود لقادة عثمانيين في مناطق شمالي سوريا، في حلب أيضاً بسطت تركيا سيطرتها متذرِّعة بمواجهة الجماعات الكردية المسلحة، التي صنَّفتها ضمن حزب العُمَّال الكردستاني المحظور.

انتهاء الصراع في سوريا يعني فقدان تركيا تواجدها العسكري والتجاري في المناطق الآمنة -نسبياً- شمالي سوريا، فبينما شهدت السنوات الماضية منذ اندلاع الثورة السورية هجرة السوريين من كل الفئات، وجد التجار الأتراك فرصة فتح محال تجارية تبيع البضائع التركية، لذلك سيُمكِّن استقرار الوضع بعد مفاوضات السلام بين المعارضة والحكومة السورية، الشعب السوري من العودة إلى أرضه ونشاطه التجاري، ربما لذلك وجد أردوغان في اتفاقية أضنة مكاناً لتثبيت وجوده في سوريا!

ما يُؤلم حقاً -بعيداً عن أطماع أردوغان التوسعية- وإعادة إحياء اتفاقية أضنة، هو مصير الضحايا الذين ذهبت دماؤهم قرباناً ربما لأطماع توسّعية، كيف يمكنهم العودة بعد انتهاء الصراع على أرضهم، وصوت أنين الضحايا لازال يصم أسماعهم، وذكرى الفزع والهروب لازالت صوراً تترى أمام أبصارهم، ربما حتى ينتهي بهم العمر، كل هذا كيف يُمحَى، وكيف يتم تعويض الفقد والفزع والهرب، فَقْد الضَّنَى وفُقدان الأحبة، وخسارة المال والدار والجار، كل شيء أصبح هباءً، وقبض الريح بعد سنوات الحرب في سورية، لأن الثورة قامت في البداية للتخلص من الاستبداد والظلم، لكنها تحوَّلت إلى صراعٍ بين قوى التطرف والمطامع، وكل القوى المتصارعة، والضريبة كاملة تحمَّلها الشعب السوري.

كل القوى تكتَّلت لتدمر بلا طائل، وكأن القتل والدمار لغة الردع الوحيدة لإحباط الثورات الشعبية التي تزداد قوة وحدّة؛ كلما تكتَّلت في مواجهتها القوى، لكن الكثرة تغلب الشجاعة، كما يقولون.