بصدق؛ حالة من الذهول أصابتني حين طالعنا تقرير انتهاء عمل اللجنة العليا لقضايا الفساد العام؛ وأن خزينة الدولة ـولله الحمدـ استعادت أربعمائة مليار ريال قيمة ما اختلسه الفاسدون من المال العام؛ فهل ندرك حجم هذا المبلغ الكبير!!، إنها بمثابة ميزانية دول تصرف على شعوبها في مختلف القطاعات! والأكثر ذهولاً أنه تم استردادها وتسويتها كما جاء في الخبر من 87 شخصاً فقط بعد إقرارهم بما نُسب لهم وإجراء التسوية معهم؛ فيما تمت إحالة 56 شخصاً إلى النيابة العامة لاستكمال إجراءات التحقيق وفقاً للنظام؛ فقد رفض النائب العام التسوية معهم لوجود قضايا جنائية أخرى عليهم، وبقي ثمانية أشخاص لم يقبلوا التسوية وتهمة الفساد وأحيلوا أيضاً إلى النيابة العامة وفق النظام.

أعود وأستذكر حجم هذا المبلغ 400 مليار ريال!! وأحاول تخيل أن يكون في يد عدد من الشخصيات النافذة ممن كانوا يعتقدون أنهم فوق القانون ودون حسيب أو رقيب وكأن المال العام مُشاع لهم يغرفون منه على حسابنا نحن السعوديين ومصالحنا ومصلحة الوطن وبنائه ونهضته، ولكن ـ ولله الحمد ـ أننا استيقظنا في السعودية يوم 4 نوفمبر 2017م على خبر اعتقال هذه الشخصيات النافذة في قضايا فساد؛ فلم يكن خبراً عادياً، بل مؤسساً لثقافة وعي قانوني في حياتنا كسعوديين مفاده أنه لا أحد فوق القانون، وهو بداية لمرحلة حزم وعزم جديدة تأسست على يد والدنا سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ وولي عهده الأمين المُلهم الأمير محمد بن سلمان ـ وفقه الله ـ والذي وعد فصدق حين قال في أحد حواراته التلفزيونية المهمة :» أنه لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد أياً من كان، لن ينجو سواء وزير أو أمير.. وأي أحد تتوفر عليه الأدلة الكافية سوف يحاسب».

ولم تكن نتيجة تقرير اللجنة العليا لقضايا الفساد وحدها ما أفرحنا كمواطنين منذ إعلانها؛ فقد كان هناك خبر آخر متزامن معها أعلنته وزارة الشؤون البلدية والقروية وهو كف يد 126 موظفاً في الوزارة تورطوا في قضايا فساد مالي وإداري ومخالفات قانونية كاستغلال النفوذ وإساءة استخدام السلطة ومخالفة جنائية شملت عدداً من الموظفين في أمانة الرياض وجدة والعاصمة المقدسة والأحساء والجوف وغيرها من الأمانات؛ وهذا الخبر بجديته يُحسب للوزير المكلف على الوزارة منذ 33 يوماً فقط معالي الدكتور ماجد القصبي؛ وكم أتمنى أن نقرأ هكذا أخبار أيضاً من كل وزارة من وزاراتنا الموقرة؛ وأن يُحاسب فيها كل من تمسه دائرة الفساد المالي والإداري وإساءة استخدام السلطة والنفوذ، فنحن نعيش اليوم مرحلة مختلفة تتجه بنا نحو علو صوت النزاهة و تعزيزها بمكافحة الفساد دون أي مجاملة أو خوف؛ فلا أحد فوق القانون، وزيراً كان أو أميراً .