هل سبق وأن رأيت موظفاً أربعينياً أو خمسينياً على مكتبه في مؤسسة ما منذ 20 أو 30 عاماً؟ لا شك أن هناك كثيرين ممن أمضوا حياتهم الوظيفية بالكامل في ذات الوظيفة وفي ذات المؤسسة، وبزيادة بسيطة في الراتب توقفت واستقرت منذ سنوات، ثم جاء بعدهم موظفون شباب يحملون شهادات جامعية أو شهادات تدريب فترأسوهم وحصلوا على رواتب أعلى منهم، فما الذي وجّه مصير هؤلاء الموظفين؟

التقيت بثلاثة من الموظفين أولهم ستيني تقاعَدْ واثنان منهم في الخمسينيات من العمر لا يزالان على رأس عملهم، وطرحت عليهم هذه الأسئلة، فكان جواب الموظف المتقاعد أن الحقبة التي عمل فيها لم تكن حقبة توفر إمكانات له ولأقرانه للتطور الوظيفي، وكان من يتزوج وينجب، يشعر وكأنما قد كبّلت يداه ولا يعد قادراً على مواصلة مسيرة التعلم.

أما الموظف الثاني وهو في نهاية الخمسينيات من العمر، فقد قال بأنه وهو يقترب بعد سنوات من سن التقاعد لم يجد فرصة حقيقية لتطوير نفسه على المستوى المهني، فما كان يعمله منذ 25 عاماً هو تقريباً ذات ما يعمله اليوم مع فارق بسيط وهو تعلمه العمل على الكمبيوتر.

وفاجأني الموظف الخمسيني الثالث حين أخبرني بأنه حصل على الماجستير في سن الخمسين، والدكتوراه في سن الثالثة والخمسين، وهو اليوم في الخامسة والخمسين يدير مؤسسة كاملة بعد أن كان موظفاً عادياً لأكثر من خمس وعشرين سنة، وقد انتقل نقلة كبيرة في حياته وقفز قفزة هائلة على مستوى الدخل الشهري، وعلى مستوى نوعية الحياة له ولأسرته، وبات يقدم استشارات لمؤسسات وأصبح له دخل إضافي، وهو بحق أعتبِره نموذجاً يحتذى به.

الفرصة في مجال العمل هي دائماً أمام عينيك ورهن إشارتك، ولكن كل ما عليك فعله هو فتح الباب لها، فهي تقف على بابك طيلة الوقت، ولا تغادره مطلقاً، ولكن هناك من يبرعون في إحكام إغلاق الباب وفي التأكد من أنه مغلق بإحكام، وهناك من يبرعون في نزع كل الأقفال التي على أبوابهم ليحتضنوا فرصهم بكل حب وثقة ورغبة، ويتخلصوا بما لديهم من أمل وهمّة من جميع العراقيل الوهمية التي تستقر في أذهان الكثيرين فتحبط هممهم وتنشر في سلوكهم الحياتي مظاهر السلبية، فتعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخسارة وبالكثير من مظاهر التراجع على المستوى الإنساني .