كان أهل البادية قبل أكثر من خمسين عامًا يعيشون ظروفاً معيشية صعبة في التعليم وعدم توفر الخدمات والمرافق الطبية والتي ساهمت في ارتفاع معدل الوفيات بين المواليد والأمهات في ذلك الوقت، وكان يلجأ البعض من سكان البادية لاختيار أسماء غريبة للمواليد ظنًا منهم بأنها تحمي أطفالهم من الموت.. ومن هذه الأسماء «معيوف» حتى يعافه الموت ويبقى على قيد الحياة.. وبفضل الله وحده نجا معيوف من مظنة الموت في ظل ضعف الخدمات الطبية، وانتقل من البادية إلى جدة لإكمال تعليمه، وقبل أكثر من 9 أعوام تعرض معيوف لجلطة قلبية في أواخر الخمسينيات من عمره وتم نقله لمستشفى الملك فهد العام.

ولازلت أتذكر حديثه لنا وهو يشكو طلب الأطباء له بالخروج والعودة بعد العيد! وهو يردد «أنا لست بخير، ولا أريد الموت الآن»، وكنا بكل سذاجة نصدق الرأي الطبي بأن الحالة ليست خطيرة ونحاول أن نطمئنه بأن «الأطباء أبخص».

خرج معيوف الذي نجا من الموت في زمن ضعف الخدمات الطبية، ثم مات ليلة العيد بين أفراد عائلته (يرحمه الله).

استرجعت هذه الحادثة وأنا أتابع الأسبوع الماضي حادثة أخرى في نفس المستشفى للشاب ثنيان والذي ذهب للمستشفى على قدميه وقال للطبيب أنه يعاني من أعراض جلطة دماغية، وقام الطبيب بصرف بعض الأدوية وإخراجه حتى عاد للمستشفى بعد ساعتين على نقالة بواسطة الهلال الأحمر وهو في حالة إغماء، المصيبة الأعظم تم تحويل ثنيان لقسم الباطنة وبعد تكرار التوضيح من عائلته بأن الأعراض هي أعراض جلطة وإلحاح شديد منهم تم عمل أشعة مقطعية كشفت وجود جلطة دماغية فعلاً توفى على إثرها لاحقًا يرحمه الله.

لا أحد منا يعترض على قضاء الله وقدره، ونعلم بأن الحياة والموت بيد الله وحده، ولكن هناك تقصير وأسباب التغاضي عنها يشكل خطرًا على حياة الناس التي يعتبر حفظها من أهم مقاصد الشريعة.

هاتان حالتان عايشتهما لاثنين من أقاربي والزمن بينهما يعطي مؤشراً على تطور الأجهزة الطبية ووعي الناس الصحي، ومع الأسف عدم مواكبة بعض أفراد الكادر الصحي لهذا التطور وضعف إحساسهم بمسؤولية حفظ الأرواح.

معالي وزير الصحة.. تطوير المرافق والخدمات من الضروري أن يواكبه تطوير الكوادر وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب حتى لا تتحول مستشفياتنا الحكومية إلى «مظنة الموت».