* التَّسامح الديني واحترام حرية المعتقد قيمة إنسانية كبرى، وضرورة دائمة لتبقى الحياة البشرية؛ فالناس وإن اختلفوا في عِرقياتهم وبيئاتهم وثقافاتهم ومرجعياتهم الدينية، إلا أنهم يتفقون في أصل وجودهم، وفي حاجتهم الدائمة للتعايش فيما بينهم والتواصل والتسامح من أجل إعمار الأرض التي يعيشون عليها.

* والدِّيْن الإسلامي آمن بتلك القيمة الإنسانية؛ وأكد على تنوع البشر، واختلاف انتماءاتهم ومعتقداتهم وفكرهم، بل وجعل التعارف والتآلف عنواناً لكل ذلك الاختلاف؛ فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا...)؛ بل قد ألَمـح الإسلام إلى حتمية ذلك التنوع والاختلاف النَّمطي؛ ففي القرآن الكريم: (ولو شاء ربّك لجعل الناس أُمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين).

* والإسلام كذلك يُقِـرُّ بحرية التَّدَيـن، وبوجود المخالف في المعتقد، مؤكداً على احترامه، وواضعاً آداباً وقوانين تحفظ حقه؛ ففي كتاب الله تعالى: (لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يُقاتلُوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، وفي هذا الإطار أوصَل بعضهم الآيات الواردة في شأن احترام الأديان الأخرى واحترام خصوصيتها وأتباعها إلى أكثر من «مائة آية موزّعة في ست وثلاثين سورة»؛ فالإسلام بوسطية أصوله ومبادئه وديمومتها ومواكبتها لمستجدات الزمان والأحداث كان ولايزال قادراً على استقطاب البشر إلى حضنه الدافئ.

* والمسلمون الذين انتشروا في مختلف أنحاء المعمورة كانوا بأخلاقهم الرفيعة وحسن تعاملهم مع غيرهم أنّى كانت عقائدهم خَيْرُ رسُلٍ لدينهم؛ وهو ما شجع وحفَّز الناس على الدخول فيه أفواجاً؛ والمسلمون حتى ولو فُرضت عليهم الحرب؛ هناك قوانين تحكمهم، تحفظ حقوق الجميع مُسالمين أو معاهدين أو حتى مُحَارِبِيْن!

* ذلك هو الإسلام بقيمه الإنسانية وأولئك هم المسلمون بتسامحهم مع غيرهم وهم في قوتهم وعنفوان سلطتهم وإدارتهم لمساحات شاسعةٍ من العَالم؛ وبالتالي لايمكن الحكم عليهم اليوم من خلال تطرف أقوال شاذة، أو عنف عِـدة أفراد أو جماعات إرهابية؛ هناك شكوك تدور حول من أطلقها ويقوم على تمويلها!.

* وبالتالي فمع تقديري لكل الجهود العالمية التي تبذل في ملف التسامح الديني؛ لكني أرى فيها ظلماً بيّنَاً للإسلام والمسلمين؛ إذ ما يظهر من حواراتها ولقاءاتها أنهم «أعني المسلمين» هم فقط مـن يمارس الإقصاء والعنف والإرهاب، فعليهم أن يتسامحوا، فيما غيرهم من الأديان الأخرى سماوية كانت أو وضعية يمثلون الأنموذج في العدل والتعايش!.

* بينما الماضي والحاضر المُـعاش يؤكدان بأن المسلمين متسامحون جداً، وهم مَـن عانى من الإقصاء والعنصرية والوحشية؛ ويكفي شاهداً على ذلك الحروب الصليبية وتَبِعاتها، وما فعله ويفعله الإسرائيليون في الأبرياء من الفلسطينيين، وما تعرض ويتعرض له المسلمون من قتل وإبادة وتهجير في (البوسنة والهرسك، وميانمار والفلبين والصّين، وغيرها).

* كُلّ تلك المُعطيات تُحَمِّـلُ القائمين على الحوار مع الآخر من الجانب الإسلامي أفراداً كانوا أو مؤسسات مسئولية التأكيد على تلك الحقائق والمُسَلّـمَات الإسلامية، والبحث عن حقوق المسلمين من مبدأ القـوّة وليس الضعف والإدانة والاتهام؛ فالمسلمون مُتَسَامِحُون في أصول دينهم وفي سلوكياتهم؛ ولكن على غيرهم أن يَتَسامح بالأفعال وليس بالأقوال والتصريحات الإعلامية.