تدخُّل الأمم المتحدة القوي، مؤخراً، في مسعى حل المعضلة اليمنية ووقف الانهيار الكامل لليمن، في ظل حرب أهلية دموية يمولها، بشكل رئيسي، الحرس الثوري الإيراني، رفع درجة الأمل بحل يؤمن، على الأقل، تجميد الوضع عند درجة معينة، تتيح البحث في حلول للتعقيدات القائمة فيما بين المتحاربين. وكان السفير السعودي في اليمن صريحاً وواضحاً بالقول، في وصفه للوضع، بأن الوضع في اليمن معقد ويحتاج لسنوات من أجل حله. مما يتطلب من الجميع أن لا يرفعوا سقف التوقعات الإيجابية عالياً ويحتكموا في توقعاتهم الى ما حدث، ويحدث، وإلى الدور الملتبس الذي يعمل فريق الأمم المتحدة في ظله، والى مغزى التدخلات، والاهتمامات المتجددة لقوى أجنبية عدة، أبرزها أميركا وبريطانيا وروسيا، وإرسال كل منها ممثلين ومندوبين الى اليمن، بدون تنسيق واضح فيما بينها، ولا مع القوى المتورطة في الوضع اليمني حالياً.

التفاؤل الذي أحاط ببداية الأزمة اليمنية كان حينها على خطأ حين اعتقد مراقبون أنه من السهل انتهاء حرب اليمنيين، التي أشعلها الحوثي بالتعاون مع علي عبدالله صالح، وإطفاء نارها خلال أسابيع معدودة.. وأخطأوا أيضاً حين اعتقدوا أن أميركا وأوروبا ستقف ضد إيران في اليمن، أكثر من التعبير بالقول فقط عن تذمرها.. كما أخطأ المراقبون بالاعتقاد أن قيادات القبائل اليمنية، وخاصة في الشمال، لازال لها نفوذ على أبنائها.. وأخطأوا حين اعتقدوا أن اليمن الجنوبي (الجنوب العربي قبل الوحدة) سيقف صفاً واحداً في الحرب الأهلية القائمة.. ولم ينتبهوا لقوة النزعة الاستعمارية الإيرانية، وعجز الشارع العربي، بل ومثقفين ومفكرين فيه، عن استيعاب أبعاد التوجهات الإيرانية الرافعة شعار فلسطين والأقصى، وأنها ليست سوى شعارات تستهدف منافسة إسرائيل في احتلال فلسطين بعصابات تابعة لها، ولن تحرر العرب بل تسعى لإذلالهم.. تناسى المتفائلون حينها هذه وغيرها من العوامل ولم يتجهوا لمعالجتها في نفس وقت التركيز على الوضع الداخلي باليمن. وعلى من يتفاءل اليوم بالمحادثات التي تقودها الأمم المتحدة أن يعي بأنها لن تكون بعيداً عن الإطار العام القائم في المنطقة، ما لم تتدخل عوامل أخرى تخرج به من الاتجاه الذي سوف يندفع إليه.

لفت نظري تغريدة كتبتها مؤخراً سيدة سورية تحت اسم (علياء) تقول فيها: «يقولون ليلى في العراق مريضة، فقلت وليلى في الشام مريضة وفي لبنان مريضة وفي اليمن مريضة وفي فلسطين مريضة.. ليلى في بلاد العرب عليلة».. لذا علينا أن ننظر للصورة الكاملة للوضع اليمني، حتى يمكن الخروج بتحليل أكثر دقة لما يجري، وما ستخرج به المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة داخل اليمن وعلى متن بوارج على شواطئها وفي عواصم عربية ودولية.. ونأخذ بالاعتبار أن النشاط الاستعماري الإيراني للعرب يستخدم عصابات يقوم بتدريبها وتجنيدها تحت إدارة الحرس الثوري الإيراني ويطلق عليها أسماء متشابهة مثل أنصار الله (الحوثي في اليمن) وحزب الله (اللبناني) وأسماء مشابهة أخرى في العراق وسوريا.. وملاحظة أن الإطار العام للمعارك السياسية والدموية في المنطقة التي تنشط فيها مليشيات إيران (العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، اليمن) تجري في ظل مظلة أميركية أوروبية تستهدف تغيير التركيبة السياسية في العالم العربي عبر نشر فوضى (يصفونها بالخلاقة ) يمكن في ظلها وتكون نتيجتها أنظمة بديلة تناسب الأجهزة الحاكمة في أوربا وأميركا، وأن إيران بنظامها الطائفي الدموي الحاقد على العرب أداة لم يحن قطافها بعد، بالنسبة للغرب، ومن المصلحة الاستعانة به في نشر الفوضى المبتغاة.

لكل ذلك، على العرب أن يتعاملوا مع القضية اليمنية بعناية أكبر وبذكاء وحكمة بعيداً، بقدر المستطاع، عن تأثير الساعين إلى نشر الفوضى الخلاقة، بهدف الوصول الى ما يحقق مصالح اليمن ويؤدي الى نشر الأمن والاستقرار لباقي الدول العربية التي لازالت بعيدة عن لعنة الربيع العربي المشؤوم.