«ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي القرى إني إذًا لسعيد»

هذا البيت الغزلي لشاعر العشق «جميل بثينة» متأكدة أنه أكثر شهرة في ذاكرة السعوديين، نتيجة اهتمام مناهج التعليم «أدبًا» به لكن نسيته «جغرافيًا»، فوادي القرى هو «العُلا» والتي لم يعرفها أبناء جيلي ومن قبلي تباعًا إلى الجيل الحالي؛ لكنهم عرفوا جيدًا نتيجة اجتهاد «فولاذي» لمعلمي الدين عن «مدائن صالح» وتخويفهم من زيارتها كمنطقة عذاب؛ كلما قصوا قصة قوم نبي الله صالح «الثموديين»؛ ومثلما عرفتُها من أبلة «خديجة» -الله يذكرها بالخير- وتوصيتنا بالتباكي وعدم زيارتها؛ لتكون قصتها أول نقطة تعارف بيني وبين المدينة الوارفة كعروس وسط الجبال الحُمر.

أتذكر أني سألتها: «أبلة.. إبراهيم أبو الأنبياء عليهم السلام هو من أقام الكعبة المُشرفة وبناها مع ابنه إسماعيل، والنبي صالح بعثه الله تعالى قبل النبي إبراهيم، فهل الجبال المنحوتة في مدائن صالح سبقت بناء الكعبة المُشرفة يا أبلة؟!!»

فتحت عينها كأني أحرجتها، وأجابت بحدة: الله أعلم يا حليمة!!

حينها أحسستُ بفضول، وبقي السؤال برأسي سنوات، وفي عام 2006 جاء الوقت المناسب كنتُ حينها صحفية في جريدة الشرق الأوسط؛ فتحدثتُ مع مسؤول التحرير الأخ العزيز عمر المضواحي -رحمه الله- وأخبرته أن عندي قصة لم تُكتب بعد عن «مدائن صالح»، وأتذكر قوله: لا أحد يذهب هناك يا حليمة!! وما الجديد الذي ستكتبينه عن ديار المعذبين؟ لم يقتنع في البداية، لأنه استصعب الرحلة على صحفية شابة، ولكنه اقتنع أني عنيدة وسأكتبُ قصة لم تُكتب بعد كعادتي.

بعد الموافقة السريعة من رئاسة التحرير؛ أعددتُ للرحلة مدة ستة أشهر لمنطقة بقيت حقائقها وأسرارها مغمورة في أبحاث الأكاديميين والآثاريين؛ بسبب فتوى قديمة اعتمدت حكايات شعبية متداولة كمنطقة عذاب شبه مُحرمة، مما عطل استغلالها؛ بينما هي كنز حضاري ينبغي استثماره تمامًا كالنفط الذي أنعم الله به علينا.

ووفقني الله إلى مرافقة وفد من علماء الآثار بجامعة الملك سعود حتى أستطيع دخول مدائن صالح والمحميات الأثرية التي ينقبون فيها كـ»المبايات»، و»الخريبة» الرائعة التي سكنها الدادانيون واللحيانيون قبل الميلاد.

كان ذلك عام 2006م، وكانت رحلة قاسية عليّ كفتاة سعودية، لكن شغف المعرفة ونقلها كافٍ لأتحمل، إذ لم يكن في العُلا مطار، واستغرب وجودي بعض الأهالي وحيدة تتجول مع أساتذة جامعة وطلابهم، ففي العادة قلة من الأجنبيات يأتين هناك؛ الرحلة بدأت من جدة إلى الوجه بالطيران؛ ثم برًا من الوجه إلى العلا ساعتين ونصف تقريبًا؛ وأعدتُ زيارتها 2010م لتسجيل حلقة تلفزيونية مع فريق برنامج «4 على الخط» الذي أشرفتُ عليه لأوصل رسالة ما عرفتُه في 2006م عن «مدائن صالح» عبر قناة الثقافية السعودية، حينها اخترت الطيران للمدينة المنورة، ومنها للعلا برًا حيث تبعد 300 كم تقريبًا.

وبدأتُ التنقيب كصحفية مهتمة بالسؤال الصعب!؟

والأحد المقبل نعرف إجابته.