في خمسينيات القرن الماضي، اتّخذت وزارة التربية والتعليم من الطابق الأرضي بمنزلنا المُطل على نيل روض الفرج، مدرسة ابتدائية، لتعليم أبناء الطبقات الشعبية مجانًا، امتثالًا لقول عميد الأدب العربي د. طه حسين بأن «التعليم كالماء والهواء».

لم أكن بعد قد بلغت طور الالتحاق بالتعليم والانضمام إلى فصول الدرس، مثل أولئك الصبية الذين يصطفون في طابور الصباح كل يوم، مُردِّدين الأناشيد الوطنية، وهاتفين خلف معلميهم، بحياة الجمهورية المصرية، لكنني كنت أتابع الطلاب من بين قضبان سور شرفتنا المطلة على الفناء المدرسي، بمزيجٍ من الغبطة والرهبة، فيما كانوا يُردِّدون نشيد الجزائر:

نحن من أبطالنا ندفع جندا وعلى أشلائنا نصنع مجدا

وعلى أرواحنا نصعد خلدا وعلى هاماتنا نرفع بندا

جبهة التحرير أعطيناك عهدا وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا

كان راديو صوت العرب يبث يوميًا، هذا النشيد الذي كتب كلماته عام 1956 الشاعر الجزائري مفدى زكريا، ولحّنه الموسيقار المصري محمد فوزي عام 1957، واعتمدته الجزائر نشيدًا وطنيًا لها عام 1963، وكان قد أصبح جزءًا من تراثنا الفني المصري قبل أن يتحوَّل لاحقًا إلى نشيد وطني للجزائر. اعتدت في طفولتي أن أدفع تبرعًا (إجباريًا) قرش صاغ واحد، لدعم جهاد شعب الجزائر، كلما هممت بشراء بطاقة صعود إلى المترو، أو كلما ذهبت إلى عمّ عبده بقَّال المواد التموينية للحصول على حصة الأسرة منها، أو كلما سددت الرسوم السنوية الرمزية للدراسة (خمسة وعشرون قرشًا + قرش صاغ للجزائر)، لم أرَ مصريًا يتضرر من هذا التبرع، بل سمعت مرارًا كثيرين من المصريين يترنَّمون بالمقطع الذي يقول: (وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا..).

استطعت في أحد أيام صيف عام 1962 أن أرى الرئيس الجزائري «أحمد بن بيلا» جنبًا إلى جنب مع «جمال عبدالناصر» في سيارة رئاسية مكشوفة يردَّان تحية الجماهير التي احتشدت على كورنيش النيل، كانت رؤية «بن بيلا» بالنسبة لي حدثًا تاريخيًا احتفظتُ به طويلًا في ذاكرتي، كنتُ معجبًا بوسامة وشجاعة «بن بيلا»، وكنت معجبًا أكثر بحبِّه لمصر ولعبدالناصر، إلى أن أُطيح به في انقلاب قاده عام 1965 رفيق دربه «هواري بومدين». طوال سنوات أعقبت استقلال الجزائر، برز اسم «عبدالعزيز بوتفليقة» كأصغر وزير خارجية، واستطاع الرجل أن يحتفظ برصيد هائل من الحب والاحترام، كان كافيًا لاستدعائه من أجل إنقاذ الجزائر بعد سنوات ما عُرِف بالعشرية السوداء، التي سقط خلالها قرابة نصف مليون قتيل وجريح ومفقود. طرح «بوتفليقة» نفسه كبديل قادر على استعادة الأمن بعد عشر سنوات من المجازر ارتكبها متطرفون باسم الإسلام، واستطاع بالفعل لملمة الشمل الجزائري مجددًا خلال عشرين عامًا من حكمه، لكن الشمل الجزائري بدا موشكًا على الانفراط مجددًا قرب نهاية فترته الرئاسية الرابعة، جراء الإخفاق في إنجاز صيغة سياسية سحرية تُحقِّق الشفافية وتداول السلطة، دون المغامرة بتعريض الجزائر لعشرية عنف جديدة لا قِبَل لأحدٍ بها. مؤسسات الحكم بالجزائر تخشى- ومعها كل الحق- عودة العنف المسلح الملتحف بالدِّين، أما الشارع الجزائري الذي يتطلع إلى التغيير، فيخشى من شيخوخة حكم تقوض آماله في تسريع خطى التحديث، بينما يبدو الإقليم كله ساحة مفتوحة لصراعٍ مكتوم قد يستمر لعقودٍ مقبلة، بين قوى تستدرج المنطقة إلى الماضي، وأخرى تُكافح من أجل أن تضع قدمًا في المستقبل.

إعلان «بوتفليقة» قبل أيام عن التزامه بعدم الترشُّح لولاية رئاسية خامسة، ربما يُقلِّص احتمالات الانفجار في أوساط شباب غاضب، لم يكن أغلبه شاهدًا أو شريكًا أو طرفًا في أحداث عشرية الموت التي أنهاها «بوتفليقة»، لكنه لا يضع بذاته نهاية للأزمة، أو حلًا ناجعًا لها. المأزق في الجزائر، هو مأزق جيل كامل من الشباب في الشرق الأوسط كله من أول افغانستان في الشرق وحتى مالي في الغرب. هذا الشباب يريد الوظائف التي لا تأتي إلا بالتنمية، لكن التنمية تحتاج إلى الاستقرار الذي لا يأتي بغير الشراكة والشفافية والمصارحة. بينما تخشى غالبية الحكومات في المنطقة من إصلاح سياسي تسكن بين تلافيفه عفاريت الاضطراب، وأشباح الإرهاب.

السؤال الأكثر إلحاحًا في المنطقة كلها هو: أيهما أولًا: الشراكة والشفافية والحريات، أم الأمن والاستقرار والتنمية؟!.

ما حدث ببساطة، هو أن مستوى التطور السياسي في أغلب دول المنطقة، لم يُؤهِّل أيًا منها، بعد، للإجابة عن السؤال.

ما حدث في الجزائر لنزع فتيل الأزمة، هو مجرد طلب وقت مستقطع، من أجل التوصل إلى إجابة عن سؤال اللحظة: أيهما أولًا: الأمن والاستقرار والتنمية.. أم الشراكة والحريات والشفافية؟!.