يميل الخطاب الديني المُفسَّر إلى التشدُّد من قِبَل البعض، ولاسيما مع المرأة، وذلك بتضييق دائرة الحلال عليها، وتوسيع دائرة الحرام، وتعمُّد التقليل من شأنها، وأنّها دون الذَّكَر، مع انتقاصه أهليتها، ولقد بيّنتُ في دراساتٍ سابقة أخطاء هذا الخطاب في فهم الآيات القرآنية المتعلقة بالمرأة، والعلاقات الزوجية والأسرية، بإخضاعها للعادات والأعراف المتوارثة، رغم تعارض بعضها مع القرآن الكريم، والاستدلال بأحاديث ضعيفة وموضوعة ومفردة لتُعزِّز تلك المفاهيم الخاطئة، ففي عام 2014م بيّنتُ في سلسلة مقالات نُشرت بجريدة المدينة، ما في مناهجنا الدراسية من أحكامٍ تُناقض القرآن الكريم، واستشهاد بأحاديث ضعيفة وموضوعة، وأخطاء تاريخية، إلّا أنّنا نجد معدي مناهج المواد الدينية المتطورة والمقررة هذا العام الدراسي 2018/2019م في جميع المراحل الدراسية أكثر تضييقًا على المرأة بصورةٍ خاصة، ونسبته إلى الإسلام، ممّا يُؤثر سلبًا على علاقتها بدينها، ولاسيما في زمن الانفتاح العالمي، والحملات المُمنهجَة والمُسيّسة ضد الإسلام، وبلاشك أسهم هذا في وقوع بعض أولادنا وبناتنا في مستنقعي الإلحاد والإرهاب

، وهذا ما سأُبيّنه من خلال قراءة لمناهج المواد الدينية المتطورة المقررة لعام 2018/2019م، وسأبدأ بقراءة درس «أحكام اللباس والزينة» في مادة الفقه، لثالث متوسط، الفصل الدراسي الثاني، ص(23)؛ إذ يبدأ الدرس بتعريف العورة: هي ما يجب ستره من جسم الرجل والمرأة، ويُحدِّد عورة المرأة أمام الرجال الأجانب بأنّها كلها عورة بالنسبة لهم، أمّا عورتها أمام المحارم والنساء جميع جسمها ما عدا ما يظهر منها -غالبًا-، كالوجه والرأس والرقبة والكفين والقدمين.

ونجد في درس الحجاب في مادة الثقافة الإسلامية للمرحلة الثانوية ص 182 المقررة للعام الدراسي الحالي 2018/2019م الآتي:

الحجاب شرعًا: ستر المرأة جميع بَدنها وزينَتها، عن غير محارمَها.

من أهداف درس الحجاب: تذكر الأدلة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن غير المحارم.

حكم الحجاب وأنّه عادة وليس عبادة: الحجاب واجب على كل امرأة مسلمة بالغة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب:59).

ثم يستدل بقوله تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) (النور:31)، مُتجاوزًا الآية التي قبلها التي تؤكد عدم وجوب تغطية المرأة لوجهها، وكذلك ليعفوا الرجل من مسؤولية غض البصر عن النساء التي أمره الله الالتزام بها؛ إذ لا نجد ذِكرًا لإلزام الرجال بغض البصر، لأنّ معدي المنهج ألزموا -من عندهم- المرأة بوجوب تغطية وجهها، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يصْنعُون).

هنا نُلاحظ أنّ معدِّي درس «أحكام اللباس والزينة» بمادة الفقه، لثالث متوسط، الفصل الثاني، قد حسموا الخلاف حول حكم تغطية الوجه بإقرار وجوبه، ولم يُشيروا إلى أي خلاف حوله، بينما نجد معدِّي منهج مادة الثقافة الإسلامية للمرحلة الثانوية ذكروا هذا الخلاف، ولم يذكروا أدلّة الذين يُجيزون كشف الوجه، واكتفوا بذِكر أدلة الذين أوجبوا تغطيته، في حين نجد أنَّ معدي منهج الثقافة الإسلامية، لثالث ثانوي بنات، قبل حوالي سبعة عشر عامًا يقولون: إنّ كشف المرأة لوجهها من الأمور المختلف عليها، ويُوردون أدلة القائلين بوجوب تغطيته، ويُفنِّدون أدلة الذين يُجيزون كشفه، ومن تلك الأدلة التي فنّدوها، حديث الفضل بن العبّاس، عندما جاءت امرأة حسناء تسأل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان الفضل رديفه في حجة الوداع، وكان الفضل ينظر إليها، فحوَّل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه، وقد كانت كاشفة وجهها، ولم يعب عليها الرسول ذلك، ولكن معدِّي المنهج قالوا بما معناه: «ربما قال لها فيما بعد، وعدم التبليغ، لا يعني عدم حدوثه»!

فلكي يُؤكِّدوا على وجوب تغطية الوجه، قاموا بليّ أحد الأدلة التي تُؤكِّد على عدم وجوب تغطيته؛ لجعله يتوافق مع ما يرونه، فوقعوا في منزلق عقدي بزعمهم تباطؤ تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم ما شرّعه الله!

للحديث صلة.