غالباً ما يتم ربط كلمة الرِزْق بامتلاكِ الأموال وحيازة الأصول العقاريّة والتجاريّة، إلّا أن قيمة الرِزْق أغلى من المقاييس المادية. والرِزْق عموماً اسمٌ شاملٌ لكُلِ ما يُنتفع به، وهو بذلك على نوعين: رِزقٌ مادّي ورِزقٌ حِسّي. ومن أشكال الرِزْق الحِسّي: الصحّة البدنيّة والذهنيّة، والراحة والاطمئنان النفسي، وجمال الشكل والروح، والعِلم النافع، والوجاهة الاجتماعيّة، والعلاقات العائليّة والإنسانيّة الناجحة، والخُلُق الحَسَن بخصاله المُختلفة، مثل الحِلْم والأناة والكَرَم والعِفّة والشجاعة... إلخ.

إنّ السعي الحثيث لامتلاك الأموال يكون نِقمةً عندما ينشغل الإنسان بذلك السعي عن ضروريّات حياته، وعندما يصبح النَهَم لزيادة الثروات والمُمتلكات هو ما يَستهوي قلب الإنسان، ويشغل فكره، ويُحرّك جوارحه، ومن ثمّ يكونُ المال (ومُشتقاته)، بوعي أو بدون وعي، بمثابة الساعة التي يضبط بها الإنسان أوقاته، والبوصلة المُوجّهة لعلاقاته. فهل زيادة المال تجلب المزيد من السعادة؟، وهل مَن حَالَه كذلك؛ هو إنسان سعيد؟.

ليسعد الإنسان، ويستفيد بالشكل الأمثل من «الرِزْق»، بنوعيه المادّي والحسّي، فإنّ الأمر يتطلب حلول «البَرَكَة» على ذلك الرِزْق. والبَرَكَة هي مُرادفٌ للنماء والزيادة، ومن معانيها السعادة. وذلك حال السعيد بصحته وعائلته الذي يعيش بوئامٍ ومحبةٍ مع من حوله، ووفق ما يُرضي خالقه عز وجل، حتى وإن كان قليل المال (أو فقيراً).

وفي المُقابل فإنّ الرِزْق المنزوع عنه البَرَكة يكون نقمةً على صاحبه. وذلك حال الغني (بالمال) الذي لا ينعم بالعافية في بدنه، أو تعصف به دوماً الخلافات العائلية والتوتّر الاجتماعي، أو مفتول العضلات الذي يُبتلى بتكسّر العظام، أو صاحب الجاه والسُلطان الذي يبغضه أهله ومن حوله.

لا خير في مالٍ أو صحةٍ أو علمٍ أو جاهٍ إذا لم يتم تسخيرها في سعادة الفرد ونجاحه في الوصول إلى هدفه. لذلك فإنّ أبْرَك أنواع الرِزْق هو ذلك الذي لا يُلهي الإنسان عن العمل نحو هدفه الأسمى، بل يُعينه على تحقيق (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أكْثَرَ ما أخافُ علَيْكُم ما يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ)، كما ورد في إجابته عليه الصلاة والسلام للرجل الذي سأله: هل يأتي الخيرُ بالشرِ؟ قوله عليه السلام: (... وإنَّ هذا المالَ حُلْوَةٌ، مَن أخَذَهُ بحَقِّهِ ووَضَعَهُ في حَقِّهِ، فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، ومَن أخَذَهُ بغيرِ حَقِّهِ كانَ كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ).

مثلاً، لو أنّ تلميذاً في كلية الطب أهمل مطالعة كتب التخصص وصرف اهتمامه عِوضاً عن ذلك في مطالعة كتب الهندسة والفلك والسياسة وتعمّق فيها، فإنه لن يكون أحسن في استثمار وقته (وهو من أهم أنواع الرزق) لتحقيق هدفه (بأن يكون طبيباً ناجحاً).

لذلك فإنّ «البَرَكَة» هي جوهرُ «الرِزْق» الذي يهبه الله عز وجل للعبد؛ في المال أو الصحة أو الجاه أو العلم أو غير ذلك. وفي حين نسعى كثيراً لتأمين مستقبلِ أبنائنا «ماديّاً» ظنّاً مِنّا بأنّ الأمان في وفرة المال في أيديهم، فإنّنا نغفل عن الأمان الأعظم الوارد في قوله عزّ وجل: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا). وعندما نُركّز جهودنا في تحصيل المزيد من «الكاش»، ظناً بأنّه المفتاح لتأمين كل شيء، فإنّنا لا ننتبه إلى ما قد يجلبه ذلك السعي الحثيث من إشكالاتٍ تُنغّص الحياة، فلا تُغني حينها كل الأشياء المادية التي أبلينا عُمرنا في تأمينها. ولِنسعَد ونبتهج بما نحن فيه من النِعَم، فلنستذكر قوله عليه الصلاة والسلام: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا).

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين