في حوار دار بيني وبين بعض كبار رجال أعمال سعوديين، ناقشنا الدور المناط بالقطاع الخاص في خدمة المجتمع؛ من خلال تنفيذ بعض المشروعات ذات العلاقة بخدمة المجتمع من تبرعاتٍ؛ كبناء بعض المشروعات، مشاركةً منهم في العمل التنموي، وللأسف الشديد أن بعضهم -خاصة من ذوي المليارات- لم يجد الإجابة، بل حاول التملُّص منها، بينما وجدتُ بعض متوسطي الاستثمارات، يُقدِّم الكثير من المشروعات التنموية، ويدعم الكثير من الجمعيات، كشركة الشيخ علي الدايل للتجارة والصناعة والمقاولات على سبيل المثال لا الحصر؛ كوني لمستُ ذلك الدور، وشاهدتُ بعضه، ويقيني أن هناك مَن يقوم بالدور نفسه من رجال الأعمال، لكن العتب يبقى قائمًا على بعض أصحاب الشركات الكبرى الذين يحجمون عن القيام بدورهم المطلوب في خدمة المشروعات التنموية، ولعل معظم بنوكنا الموقَّرة التي تستحوذ على الحيز الكبير من الأموال تأتي في المقدمة من حيث القصور في هذا الدور، بل نراها تزيد في الأعباء الإضافيَّة من خلال دورها الأحادي المصلحة، ونهمها المستمر لتحقيق أرباحٍ باهظة، ولعلَّ هذه المرحلة التي تتَّسم بتنفيذ استراتيجيتين تنمويتين؛ إحداهما استراتيجية 2030، التي خُصِّصت لبناء مستقبل زاهر يعتمد على مصادر متنوِّعة للدخل غير البترول، والثانية تقوم على ربط الأحزمة؛ لمواجهة الكثير من التقلُّبات، وفي مقدمتها انخفاض أسعار البترول العالمية، وسخونة الأحداث بالمنطقة.

وبما أن القطاع الخاص يُعد ركنًا مهمًّا في حراك الاقتصاد الوطني لكلِّ دولة من خلال ما يُقدِّمه من خدماتٍ تفاعليَّة للعمليَّة التنمويَّة، نجد أنَّ أنظمته في كثير من دول العالم الأول تقوم على تبادل المنفعة بين القطاع الخاص وأفراد المجتمع، فبالقدر الذي يقوم بالإفادة من أفراد المجتمع أو المؤسسات الحكوميَّة، لا بدَّ وأنْ يُقدِّم للمجتمع خدماتٍ مقابل ذلك، إمَّا عن طريق دفع الضرائب، وإمَّا عن طريق بناء المستشفيات والمدارس، وإمَّا رعاية فئة من فئات المجتمع، وإمَّا تقديم خدمات أخرى في مناشط اجتماعيَّة مختلفة، لكنَّ الذي يحدث في مجتمعنا، أن أغلب قطاعنا الخاص لا يُقدِّم أدنى الخدمات في ظل تقادم بعض الأنظمة القائمة على عمليَّات الحراك التنموي؛ إذ لا نجد نظامًا يُلزم تلك الشركات بتقديم مثل تلك الخدمات، ولا يُلزم تلك الشركات بإقامة مثل تلك المشروعات، أو حتَّى تأهيل وتوظيف أبناء الوطن، وهذا التقادم في بعض الأنظمة أدَّى إلى إحجام أغلب الشركات عن خدمة المجتمع، بل نراها تقوم بابتكار السبل كافَّة لاستنزاف ما في جيب المواطن، ولعلَّ الأمثلة على تلك الممارسات يطول سردها، لكنِّي سأكتفي بذكر بعضها، فعلى سبيل المثال، نرى شركات الاتِّصالات تضعُ رسومًا باهظة تفوق أغلب بلدان العالم، لكنَّ بعض تلك الشركات لم تُقدِّم أيَّ خدمات عامَّة للوطن، كبناء مدارس أو مستشفيات أو ملاعب أو أنفاق، أو حتَّى تقديم مشروعات تدعم الفقراء والأيتام، وذوي الاحتياجات الخاصَّة، وهكذا كثير من الشركات الصناعيَّة، وفي مقدمتها أغلب شركات صناعة البترول، وما أكثرها؛ إذ نرى تلك الشركات تستثمر ثروات الوطن، وتصل أرباحها إلى المليارات، لكنَّ العديد منها لم يُقدِّم للوطن أدنى الخدمات، بل إنَّ بعضها لا يحتوي أبناء الوطن، فتُدرِّبهم وتُوظِّفهم، بل نراها تُحاول الفكاك منهم، كمنحهم رواتب ضئيلة، لا تفي بمتطلباتهم الحياتيَّة، أو تضع شروطًا قاسية للحدِّ من انضمامهم إليها، وفي مقابل ذلك نرى العديد من تلك الشركات تعجُّ بالأعداد الهائلة من العمالة الوافدة، ويقيني أنَّهم يستخدمون شتَّى الطرق لعدم إعطاء أبناء الوطن الفرصة لخدمة وطنهم، بل أرى بعضهم يتملَّص من ذلك الدور، ويتحايل على ذلك بشتى السبل.. والله من وراء القصد.