ربما من المهم تقديم قراءة هادئة للأبعاد الجديدة التي طرأت على صندوق التنمية العقارية، بعد تحوُّله -منذ عشرين شهرًا- من مؤسسة مقرضة من رأسمالها، إلى مؤسسة تمويلية تمتد شراكاتها عبر «برنامج القرض العقاري» مع البنوك والمؤسسات التمويلية، لتمويل المستفيدين للحصول على المسكن الأول، والمساهمة في زيادة نسبة تملُّك السعوديين لمنازلهم بنحو 60% بنهاية 2020.

السؤال المشروع طرحه في سياق نقاش هذه التحولات هو: ماذا حقق الصندوق العقاري من مستهدفات التحوُّل لمؤسسة تمويلية؟، وما هي أبرز تلك التحولات؟، لا أريد أن تحمل إجابتي؛ انضمامي إلى فسطاطي المؤيدين أو المعارضين لتوجُّهات الصندوق الجديدة، فـ»خير الأمور أوسطها».

وبصفتي عضو سابق بإحدى اللجان العقارية، وعضو حالي بلجنة الاستثمار والأوراق المالية بغرفة الرياض، لا أؤمن إلا بلغة الأرقام، لذا استجمعت تفكيري أثناء حضوري لمؤتمر «تمويل الإسكان» الذي ينظمه الصندوق العقاري سنويًا، ويناقش فيه التحديات والفرص المتاحة للمطورين العقاريين والمستثمرين في التمويل العقاري المحليين والدوليين.

أغلب التقييمات التي لفتت الانتباه إلى تداعيات ما بعد تحوُّلات صندوق التنمية العقارية، والتي ظلت مدة طويلة بعيدة عن التناول إعلاميًا، أو حتى من الصندوق، رغم أنه مؤثر قوي، وفي تصوري الشخصي، يساهم بشكلٍ مباشر في دفع سوق التمويل العقاري، ألا وهو: «إعادة هندسة ترتيب البيت الداخلي للصندوق».. وتعد إعادة الهيكلة وبناء قدرات الصندوق العقاري، الركيزة الاستراتيجية الثالثة في عملية التحول، ففي السابق كان الصندوق عبارة عن «إدارة هندسية» بامتياز، فالتركيز منصب منذ تأسيسه -في يوليو 1974 وحتى أوائل 2017 تقريبًا- على متابعة أعمال البناء، حيث لم تكن هناك قدرات إدارية ومالية تتحدث لغة القطاع المصرفي، بل لم تكن الهيكلة ونموذج العمل مبنية على أفضل الممارسات العالمية، رغم القطاع الحيوي الذي يشرف عليه.

هناك نقاط مهمة دوّنتُهَا أثناء حضور المؤتمر، وأعتقد أنها جديرة بالنقاش، لأن التحول الداخلي الجديد نقل الصندوق العقاري من التركيز على القدرات الهندسية إلى التركيز على بناء القدرات والخبرات المالية، فاستقطب المواهب المتخصصة في قطاع التمويل، وتمت مقارنة ومحاكاة أفضل الممارسات العالمية في تطوير هيكلة الصندوق، وبعيدًا عن الاصطفاف بلغة نعم/ لا، أصبح الصندوق قادراً على التحدث بلغة القطاعات المالية، حيث تمكَّن من تطوير المنتجات والحلول التمويلية بالشراكة مع الممولين، وعمل مع أكثر من 10 جهات استشارية لتطوير أعماله وسياساته، كما أطلق مشروع تحول الموارد البشرية، واعتمد المعايير المالية الدولية، والأهم من ذلك استطاع تفعيل إدارة وتقليل المخاطر.