طيف جميل يغادر الحياة.. هكذا هكذا.. دون مقدمات، أو حتى تهيئة نفسية، أطفأت «البندري بنت عبدالرحمن الفيصل»، شمعة عمرها الأخيرة.

يا الله! هذه البندري امرأة من بلادي، عملها الإنساني والاجتماعي ارتقى بها شأنًا.. حملت سماعة الإنسانية، وارتدت معطف المحبة، ونذرت عمرها للإنسان أنّى تلفّت يلقاها.

نمت في أحضان الفيصل والخالد.. لازلت أذكر لحظة لقائها الأولى، عندما كانت، رحمها الله، تعرّف بمؤسسة الملك خالد الخيرية، خلال فترة عملي في القطاع غير الربحي.. ثم تطورت علاقتي بها، وتطورت تلك المخلوقة الجميلة في العلم والتخصص، حتى بدت لي دائمًا طيفًا جميلًا يحيط بكل فعل إنساني.

تحولت البندري إلى فراشة تبحث عن رحيق المعرفة والجديد في تخصصها، أصبحت أيقونة ماهرة، حيث حاصرتها الألقاب من كل جانب، ذاع صيتها في كل مساحة ضوئية.

تحدثنا عن المشروعات الصغيرة، وكيف أضحت مهنة الأسر المنتجة مصدر رزق للنساء، كان ما يحدث في تعثرات الأسرة المنتجة يقضم قلبها كتفاحة مفتوحة، فتنغمس في البحث عن مصادر رزق لهن.. كانت تحدثني بخليط من الحب والأمل لنساء الوطن.. قلت لها الأسوأ قد انقضى، واليوم التقنية والمعرفة ستساعد المرأة في كسب الرزق.. نظرت إليّ مبتسمة بعينين مفعمتين بالمحبة.. البندري هي إحدى الأشخاص القلائل الذين ينعكس على وجوههم كل تعبير. أجابتني بعد أن أخذت نفسًا طويلًا، «الأجمل قادم إن شاء الله». ورغم ذلك ظلت شجرة تواضع وعطاء أصلها ثابت وفرعها في السماء، لها شموخ الصنوبر، ورهافة النعناع، وقوة السنديان.. لم تكن امرأة عادية.. يا للصاعقة، يا إلهي، ها هو الموت يخطف البندري من بين أيدينا، يهزمني من جديد، يختطف منا حبيبة وزميلة.. كانت الفاجعة تعصر قلبي فتستجيب لها الدموع.

شعرت بمرارة لاذعة وأنا أستمع لصوت صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، كنت أحس بحجم المرارة القاسية في داخله، كانت كلمات العزاء تقع منه موقع الرماد المطفأ.. كان قلبه يفر منه وهو يردد الدعاء لها.. مرارة عجيبة تغمر ثنايا قلبه.

مضت البندري والعالم في قلبها، رحلت مسرعة كمركبة فضائية دون انتظار أحد.

الموت لا أن تموت، بل أن تنسى، وليس هناك ما يكفي من النسيان كي ننساك أيتها النجمة، التي ستبقى مضيئة في سمائنا.

رحم الله البندري بنت عبدالرحمن الفيصل.