جرى حوار وحديث ذو شجون بيني وبين الأخ والنسيب الأستاذ محمد بن غازي العنزي حول التعليم الأهلي، وهو رجل التربية والتعليم المخضرم الذي أمضى حياته الوظيفية كلها في خدمة التعليم والمتعلمين حتى تقاعد، إذ عمل مديراً عاماً لتعليم البنات بمنطقة الجوف ومديراً عاماً لمكتب وكيل وزارة التعليم للشؤون التعليمية بالرياض، ومن ثم مديراً عاماً للتعليم الأهلي للبنات بالوزارة، وكان حديثه عن التعليم الأهلي حديث الخبير بالطبع، «ولا ينبئُك مثل خبير»، وتركز حديثنا حول اللوائح التنظيمية التي تحكم التعليم الأهلي في المملكة، وهو موضوع يشغلني شخصياً ويشغل الكثير من المشتغلين في حقل التعليم عموماً سواء كان تعليماً عاما أو جامعياً، وفوجئت تماماً بما أفادني به الأستاذ محمد العنزي من أن «لائحة تنظيم المدارس الأهلية» كما تسمى تعود إلى عام 1395هـ أي أنه قد مضى عليها خمس وأربعون سنة كاملة، فقد صدرت بناء على موافقة مجلس الوزراء بقراره رقم 1006 في 13/8/1395هـ. وكما أكد لي بناء على معرفته الوثيقة، فإن هذه اللائحة لا تزال مطبقة ومعمولاً بها حتى يوم الناس هذا، رغم محاولاته شخصياً ومحاولات زملاء كثر له وسعيهم الجاد لتغييرها وتحديثها لأنها عفا عليها الزمن ولم تعد صالحة لهذا العصر ولا مواكبة للتطور الهائل في التعليم حالياً بكل جوانبه العلمية والإدارية بل والمالية، نظراً للقفزات المتتالية التي يشهدها التعليم في بلادنا على مدى عقود تعاقب فيها عدد كبير من الوزراء. ولحسن الحظ وجدت عنده نسخة من هذه اللائحة التي تقع في ثلاث صفحات فقط، وتضم أربعاً وعشرين مادة يمكن استعراضها في دقائق معدودة، وقد بدأت لوائحها الأولى برصد الشروط التنظيمية الواجب تحققها في المدارس الأهلية واستثناء المؤسسات التعليمية التي تنشئها الدول أو المؤسسات الأجنبية، وهيئات التمثيل السياسي والقنصلي، وشروط فتح أي مدرسة أهلية بالحصول على ترخيص كتابي من الوزارة إلخ، وخضوعها لإشراف الجهة الحكومية المختصة، إلى أن نصل إلى المادة الخامسة وعنونت «يجب على المدرسة الأهلية الالتزام بالواجبات الأساسية الآتية»، ويشمل ذلك: احترام القيم الدينية والأخلاقية للبلاد، وتهيئة الموقع والمبنى والأثاث المناسب، والاقتصار على أحد الجنسين، تلك الواجبات الأساسية التي وردت في اللائحة حرفياً. ومن عجب أن لا ذكر فيها لأي واجبات تعليمية أو تربوية أو وطنية، وكلها متعلقة بالموقع والمبنى والأثاث، والقيم بالطبع أمر مفروغ منه ولا يحتاج أن ننص عليه، وتلي هذه المادة مواد أخرى تتعلق بالسكن المسموح به داخل المدارس الأهلية، ومسؤوليات صاحب المدرسة والشروط المتعلقة به، التي تبدو وكأنها شروط التحاق مواطن فتيّ بوظيفة حكومية كأن يكون سعودياً، سنّه لا يقل عن 25 سنة، ومؤهلاً تأهيلاً علمياً مماثلاً لنوع التعليم الذي تقدمه المدرسة، أي أنه لوكانت مدرسة ابتدائية فلا يشترط على صاحبها إلا أن يكون حاصلاً على الشهادة الابتدائية، مثلاً. أضف إلى ذلك أن يكون حسن السيرة والسلوك ولم تصدر بحقه أحكام تأديبية والشروط نفسها تندرج على كل العاملين في المدرسة دون ذكر نقطة واحدة تتحدث عن تأهيلهم العلمي والتدريسي أو الشهادات المطلوبة لتعيينهم، لذا شهدنا ومازلنا نشهد تعيين معلمين وإداريين كيفما اتفق في التعليم الأهلي. ومن أغرب المواد المادة الثانية عشرة التي تنص على أن المدرسة هي التي تحدد التكاليف الدراسية قبل بدء العام الدراسي ولا يجوز زيادتها أثناء العام، هكذا.. دون تحديد أي سقف أعلى أو أدنى، لذلك وصلت التكاليف إلى عشرات الآلاف، ولا تتدخل الوزارة أو أي جهة لكبح جماحها وحماية المواطنين من مبالغاتها في المصاريف الدراسية، أما المادة التي أعتبرها قاصمة الظهر والحالقة فهي المادة الثانية والعشرون: «يعاقب بغرامة مالية لا تقل عن خمسمائة ريال ولا تتجاوز خمسة آلاف ريال كل من خالف أحكام اللائحة»، ولنا أن نتصور ضآلة هذه الغرامة التي لا تصل إلى عشر معشار التكاليف الباهظة للتعليم الأهلي للطالب الواحد هذه الأيام، ولا يزال معمولاً بها، ناهيك عن عدم وجود أي لائحة للتعليم الأجنبي الذي فُتح للطلاب السعوديين مؤخراً، وتأرجح أنظمته بين لائحة التعليم الأهلي ولائحة مدارس السفارات الأجنبية.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في لائحة تنظيم المدارس الأهلية التي مضى عليها 45 سنة، ولابد من تغييرها لمواكبة التطور الهائل في التعليم في الوقت الحاضر.. ولتتلاءم مع التحول الوطني 2020 تمهيداً لتحقيق رؤية المملكة 2030، وليت اللجنة التي تشرف على تطوير وتجديد هذه اللائحة تضم خبراء من جهات حكومية مختصة وأكاديميين وتربويين ذوي خبرة ورجال أعمال محايدين.