تقوم المملكة العربية السعودية بدورٍ رائد في تعزيز حوار الحضارات، حيث أنشأت منذ عام 2011م كرسياً ومذكرة تفاهم بين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة السوربون لحوار الحضارات، ويهدف إلى خدمة السلام العالمي ونشر البحوث والدراسات التي تخدم التقارب بين الحضارات. بل أنشأت (مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين أتباع الديانات والثقافات)، وله فروع في النمسا، وإسبانيا ، والفاتيكان لإرساء قواعد العدل والسلام والتعايش بين الأمم والشعوب، وتفعيل قِيَم الحوار الحضاري ومنهجياته وأساليبه، ونبذ كافة أشكال العنف والصراع بين العالم الغربي والعالمين العربي والإسلامي.

وبالرغم من تلك الجهود، نجد أن الاعتداءات على المسلمين متكررة، وخاصة في المساجد ودور العبادة عبر التاريخ.. ومنها مذبحة نيوزيلندا -مؤخراً- وقتل 50 مسلماً بدمٍ بارد، وتصوير للجريمة من مرتكبها وكأنها لعبة من ألعاب الفيديو.. فهناك مَن يُكرِّس للكراهية ضد المسلمين، مما ساعد على انتشار الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية؛ فالآلة الإعلامية الغربية بأفلامها، وتعليقات أخبارها، ومنظماتها المختلفة تُروِّج لخطاب الكراهية؛ ففي نيويورك مثلاً، وبعد أحداث 11 سبتمبر، أقيم في نفس المكان نصب تذكاري (Memorial-9-11)، ومتحف، يضم كل ما تبقَّى من جزئيات المبنى والأدوات، وتباع صور وأدوات الزينة التذكارية للسياح وتُدر دخلاً بالملايين على الشركة المنظمة.. بل تجد أن المرشد السياحي يُركِّز على أن الهجوم من نفر من المسلمين الإرهابيين الذين يريدون تحطيم أمريكا.. مع أن الكثير من المُفكِّرين وخبراء السياسة أثبتوا بمُؤلَّفات أن من كان وراء تلك الهجمات الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية؛ وأحد الأدلة أن جميع الموظفين اليهود في ذلك اليوم لم يحضروا لمقر أعمالهم في المبنيين.

فإذا أضفنا إلى ذلك؛ التصريحات السياسية من ترمب في حملته الانتخابية، ووصف المسلمين بالإرهابيين، بل منعه لشعوب بعض الدول العربية والإسلامية من دخول أمريكا، يُشاطره في ذلك بعض من مستشاريه ووزرائه، مثل مستشار الأمن القومي (مايكل فلين)، ووزير العدل المعين (جيف سيشنز)؛ بالإضافة إلى تصريحات اليمين المتطرف في كل أنحاء العالم، وعقدة تفوُّق العنصر الأبيض؛ وكل ذلك يُكرِّس للكراهية بالرغم من أن أكثر الأحداث دموية وإرهاباً في أمريكا حدثت بأيدي أمريكيين وطلاب مدارس يحملون السلاح ورشاشات أودت بحياة العشرات والمئات، وهذا قمة التطرُّف والإرهاب.

حقيقةً، كان موقف رئيسة وزراء نيوزيلندا بلسماً شافياً للمسلمين بإعلانها الحداد، ولبسها وسيّدات من المجتمع الحجاب تضامناً. وقامت بإعادة قوانين ونظام حيازة السلاح، كما صدح صوت الأذان في أنحاء نيوزيلندا، وفي لندن أيضاً في ميدان الطرف الأغر في (ترافلجار سكوير) بل شارك في تأبين الضحايا 59 دولة.

إذن مكاسب الإسلام عالية بالرغم من القتلى الذين نحسبهم شهداء عند ربهم يرزقون.

ولكننا لن نقابل العنف بالعنف، والإرهاب بالإرهاب، بل بقيمنا وأخلاقنا الإسلامية نُطبِّقها واقعاً في حياتنا، وفي تعاملاتنا، كما قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).. فنحن سفراء لهذا الوطن في الخارج، وخاصة أبناءنا المبتعثين، باتباعهم للقوانين والأنظمة والمبادئ الإنسانية، وفي الداخل، بتعاملاتنا البينية الوطنية، ومع الوافدين إلينا من حجاجٍ ومعتمرين، الذين تطأ أقدامهم بلادنا من كافة أصقاع الدنيا، لنُثبت للعالم أن الإسلام هو دين السلام. فتحيتنا (السلام)، وهي اسم من أسماء الله، نُلقيه على الآخر، فتتنزَّل السكينة والرحمة والبركة، وتُقال بصيغة الجمع لأنها تعني (السلام) لجميع الكائنات.. بل ربما للذرات والمجرات.