لم نَبلُغ بعدُ درجةً من الجراءة حتى نجعل من أي كتاب -غير القرآن الكريم- كتابًا كاملاً لا يعتريه الخطأ، ولا يُقبَل النقاشُ حولَه؛ لأننا -والحال هذه- نُلْبِسُ الكتابَ وصاحبَه قداسةً غير مقبولة، إذِ المتواطأُ عليه أن (القرآن الكريم) وحده هو الكتاب الكامل الذي جاء متواترًا تواترًا قطعيًّا؛ كونَ اللهِ قد تكفل بحفظه، وتأتي بعده كتب الصِّحاح التي تلقاها علماء الأمة الإسلامية بالقبول، وعلى رأسها صحيح الإمام البخاري رحمه الله (الجامع المسند...)، وهي الكتب التي حفظتْ لنا سنةَ الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم القوليةَ والفعليةَ وما أقرَّ آلَهُ وصحابتَهُ عليه. ومن منطلق أنَّ كُتب الصحاح اجتهادات بشرية لا تبلغ الكمال فقد تعرضتْ للنقد والتصحيح من أصحابها أنفسهم، ومن علماء الأمة، وذلك بامتداد التاريخ الإسلامي، ولم يرَ أحدٌ في ذلك تجاوزًا. المنعطف الأهم في هذه المسألة هو هل يضير كُتبَ الصحاحِ النقدُ أو حتى التشكيك؟ هنا ينبغي ألا يغيب عن أفهامنا أن القرآن نفسه لم يسلم من التشكيك فقيل عنه أنه (سحر، وأساطير الأولين)، ولذا فلا غرابة أن يظهر في كل زمان من يشكك في كتاب البخاري وغيره تحت أي حجة. وعلى هذا الموَّال ظهر في المغرب العربي كتابُ (صحيح البخاري نهاية...) لمؤلفه (رشيد إيلال) ادَّعى فيه أن صحيح البخاري مجرد أسطورة وانتهت، حيث مرَّرَ عددًا من الإشكالات الواردة في صحيح البخاري (على عقله) وأصدر حيالها أحكامه، دون الرجوع لمنهج المختصِّين في التعامل معها. وقد ترددتُ بدءًا في قراءة كتاب إيلال، لكنني في النهاية قرأته. وبوصفي غير ذي دراية بعلم الحديث فقد دارت في ذهني تساؤلات عن الإشكالات التي أوردها إيلال في كتابه، وفاتني -وهنا الشاهد- أن إيلال لا يعدو كونه شاعرًا، قرأ سيرة البخاري وصحيحه فأشكلتْ عليه بعض المسائل التي مررها على مسطرة عقله متجاوزًا المعايير الصحيحة للحُكم على هذا العلم، فخُيِّل إليه أن هذه المسائل هي القشة التي ستُسقِط البخاري وصحيحه، وبالمقابل لو أن أحدًا حَكم على (إيلال الشاعر) بعدم انتماء شعره للشعر بحجة عدم قبوله (عقلاً) فإن إيلال سيكون أول المسفِّهين لهذا الحكم الذي غلَّب العقل ولم يحتكم إلى معيارية أو منهج. لم أمكث طويلاً حتى عثرت على رسالة مختصرة تتجاوز بقليل (٦٠) صفحة بعنوان (بيع الوهم..)، جاءت ردًّا على شبهات إيلال وإشكالاته لمؤلفها الفلسطيني (يوسف سمرين) الذي تعامل معها تعامل العارف الخبير، وفندها بالدليل والحجة والبرهان حتى أعاد الأمور إلى نصابها، وتقازمت الشبهات، واستقرت الحقائق على جُوديِّها، وفي هذا تأكيد على أن للحديث وعلومه رجالَه الذين يستطيعون إصدار الحكم عليه وفق معايير واضحة ومنهجية دقيقة. ويبقى التساؤل قائمًا عن سر (الوثوقية) في مقولات الفلاسفة التي زاد عمرها عن (٢٤٠٠) سنة، والشعر الجاهلي الذي قارب عمره (١٥٠٠) سنة وكلاهما لا يحتكمان لمعايير صارمة، مقابل (الشك) في أحاديث المصطفى الأدنى عُمْرًا مقارنة بالعمر المتطاول لمقولات الفلاسفة والشعر الجاهلي، ولذا تروقني مقولة مفادها (إن أصحَّ بيتِ شعرٍ جاهليٍّ -ومثله بالتأكيد مقولات الفلاسفة- لا يرقى في صحته لأضعفِ حديثٍ). لكن، ومهما يكن، فليس بوسع عاقل أن يقول بقداسة البخاري وغيره وكتبهم، ومن سلامة المقصد والمنهج وصِدْق التوجه أن يبقى صحيحُهُ -وغيره- خاضعًا للنقد والتصحيح (متى تولاه من هو ماهر بهذا الفن)، وإذا ثبت عدم صحة حديث أو أكثر فالواجب طرحها وبيان عوارها دون مواربة؛ فالعبادة والتعبد يقومان على الدليل القاطع لا على الأقاويل والتآويل. وعليه، فلْنطرحْ قداسةَ البشر، ولْنرحبْ بالنقد، شريطة أن يكون الناقد أهلاً لذلك، ولْنقرأ الرأي الآخر كي تنجلي لنا الحقائق؛ لأن الإعراض والتقوقع وتعطيل العقل لا تخدم الحق، ولذا تأتي القراءة الواعية الناقدة لتكون أوثقَ مفاتيح المعرفة، وأنجع وسيلة لتفكيك الشُّبه والإشكالات، وأفضل طريقة لانزياح الشك وحلول اليقين محله.