من الطبيعي أن نسعى إلى تحقيق النَّصْر والنّجاح في مواجهة التحديّات المُختلفة، بدايةً بالتحديّات الفرديّة (للمؤمن) من نزغ الشيطان وتسويل النفس، وصولًا إلى تحديّات النهضة والازدهار الاجتماعي، متضمنةً التحديّات الاقتصاديّة والصحيّة والثقافيّة والتقنيّة والتعليميّة... إلخ.

ولاجتياز التحديّات؛ يجب التجهّز بالعوامل المُساعدة على النَّصْر، عملًا بالتوجيه الإلهي (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ)، وذلك في مجال الحروب والمعارك، حيث إنّها من أصعبِ التحديّات التي تُواجه الفرد والمجتمع، لأنّ الخسارة فيها تُهدِّد بضياعٍ مباشرٍ للحياة. ويُلاحَظ من الآية الكريمة بأنَّ العمل المطلوب بمقدار (مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وليس بما يكافئ أو يفوق ما لدى العدو. بينما تقتضي قاعدة (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ) نفي تحقّق النَّصْر بأي شيءٍ من الأسباب، وتؤكّد على أنّ النَّصْر فقط من عند مالك الأسباب سُبحانه وتعالى! وبالتالي فإنّه على الرغم من أهميّة التجهّز بالعوامل المساعدة إلّا أنّ ذلك لا يضمن تحقيق النَّصْر.

الفوزُ والنَّجاحُ من معاني النَّصْر وضدّه الخسارة والتراجع والانحدار.. فما هي العوامل المساعدة على النَّصْر، والنجاح؟.. وما هي مُسبّبات التراجع والانحدار، أو المُثبّطات؟.. وهل العوامل المساعدة على النَّصْر والنّجاح هي بالضرورة عكس المُثبّطات؟.. وهل يجب أن تكون الأولوية لامتلاك العوامل المساعدة على النّجاح؛ أم للتخلّص من مُسبّبات التراجع والانحدار؟.. وما هو النَّصْر، والنَّجاح، الأسمى لنا كمؤمنين؟.

إنّ تحقيق النَّجاح يتطلّب أمرين: امتلاك العوامل المُساعدة (للدفع في الاتجاه الإيجابي) + التخلّص من المُثبّطات ومُسبّبات التراجع والانحدار (لتفادي الدفع في الاتجاه السلبي). لذلك فإنّ مسؤوليتنا لا تقتصر فقط على التجهّز بالعوامل المساعدة على النَّجاح، وإنّما تشتمل أيضًا التخلّص من المُثبّطات ومُسبّبات التراجع والانحدار.

وفي حين تهتم الكثير من البرامج والكتب والدورات التدريبية الحديثة في التطوير الذاتي بالعوامل المساعدة على النَّجاح من خلال أمورٍ مثل مفاتيح النَّجاح وعادات المتميزين.. إلخ، فإنّ المنهج الإسلامي لإعداد الفرد يُركّز على تزكية النفس وتخليصها من مُسبّبات التراجع والانحدار (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا). وفلاحُ المؤمن، ونجاحهُ، لا يُقاس بالمقاييس البشريّة المحدودة فقط بالمكاسب الدنيويّة، بل يمتد إلى الحياة الخالدة لتحقيق الفلاح الأسمى وفق المقياس الربّاني السامي.

والتزكية في المفهوم الحديث لإدارة الجودة تعني التحسين المستمر، وهو أهم مقوّمات إدارة الجودة، حيث يتم العمل بشكلٍٍ مستمرٍ على معالجة نواحي الضعف (فرص التحسين) تفاديًا لتأثيراتها السلبية. وينطبق ذلك على التطوير الذاتي للفرد، مثلما ينطبق على تطوير منظومات العمل.

ومن ثمّ فإنّ التخلّص من مُسبّبات الضعف أمرٌ يجب أن يحظى بالأولويّة دومًا. فمثلًا في المجال الصحّي، حيث ينتج عن تراجع الصحّة إصابة الفرد بالمرض وانتشار الوباء في المجتمع، لا قدّر الله، فإنّ أولوية المؤسسات الصحيّة هي في القضاء على المُسبّبات، من خلال التطعيمات والتحصينات المُناسبة.

وعلى غرار أولوية تأمين سلامة المجتمع الصحيّة، فإنّ سلامة المجتمع وقوّته الاقتصاديّة والعلميّة والثقافيّة تستلزم القضاء على مُسبّبات التراجع والانحدار. فإن كان من المهم تحفيز التقدّم في الاقتصاد والتعليم والثقافة من خلال العوامل المساعدة المُناسبة، مثل زيادة الضخ المالي، والميزانيات المخصّصة للمشروعات العملاقة، وزيادة عدد المُبتعثين وحاملي الشهادات العليا وتنوّع البرامج الثقافية... إلخ، إلّا أنّه يجب عدم إغفال التحصّن ضد، والتخلّص من، مُسبّبات التراجع الاقتصادي والعلمي والثقافي، مثل الفساد الإداري، والغش، وتهميش الكوادر والتسيّب الأخلاقي... إلخ.

إنّ الهَدْم أسهلُ من البِناء، لذلك فإنّ «سُوسَة الفساد»، التي لا يتم مكافحتها، كفيلة بأن تبتلع الميزانيات الضخمة المخصّصة لبناء النهضة (فساد مالي)، وهي قادرة على أن تشلّ حركة الآلاف من الكوادر الوطنية المُتمكّنة التي تم استثمار الكثير من الوقت والمال في تأهيلها (فساد إداري)، كما أنّها تتسبّب في الانتشار السريع لعدوى الانحلال، والبُعد عن قيم المجتمع وثوابته (فساد أخلاقي).

وحتى في مجال الحروب والمعارك، فإنّ أحداث غزوة حُنين تؤكّد بأنّ تنقية النفوس (من التعلّق بغير الله) أهمّ من زيادة العدد والعتاد. بينما لم يأتِ النصر في معركة بدر الكبرى نتيجة الإعداد المُكثّف من جانب المسلمين، وإنّما بتوفيق الله لتلك الفئة القليلة التي تخلّصت من أهواء النفس.

وباختصار فإنّ السعي نحو الرِفْعة والتقدّم والنجاح يستلزم تنقية (النفس والمجتمع) من مُسبّبات التأخّر والانحدار، ثم الأخذ بالعوامل المساعدة على النَّجاح، مع الاستبشار بأنّ (النَّصْر) آتٍ بإذن الله (مِنْ عِندِ اللَّهِ)، والاستعانة بـ(وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ).

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين