أزاح مقال الدكتورة وفاء الرشيد في «عكاظ» (الشلة في معرض الكتاب) الستارَ عن لغز أُثير خلال الفترة الماضية وظل مبهمًا، حتى تجلَّى أمره إثر الانتفاضة العاتية من بعض المثقفِين الذين تضامنوا مع المقال. اللغز جاء في ثنايا تصريح المتحدث الرسمي السابق لِمَا كان يُعرف بوزارة الثقافة والإعلام قبل فصلها إلى وزارتَين (الثقافة - الإعلام)، حينما برر -وقتَها- لمحرر «عكاظ» علي فايع عدمَ دعوة القائمِين على اللجان الثقافية التابعة للأندية الأدبية في المحافظات لمعرِض الكتاب بقوله «ليس بإمكان الوزارة دعوة كل الأدباء والمثقفِين، لكن الحرص كان منصبًّا على دعوة (الكبار) منهم». والحقيقة أن مصطلح الكبار كان بمثابة لغز جعلني أتساءل عن سمات المعنيِّين به، أهم الكبار عُمرًا؟ أم الكبار قَدْرًا؟ أم الكبار نتاجًا؟ وهو ما دعاني لكتابة مقال عنه في «المدينة» بعنوان (لا يقرأه إلا الكبار) تساءلتُ فيه عن سمات هؤلاء (الكبار). ولعلي في ذاك المقال وقفتُ مع المهمَّشِين من المثقفِين في منظومة الوزارة الذين يفعِّلون أدوارها من خلال الأندية الأدبية واللجان الثقافية التابعة لها في المحافظات، ومع الذين لهم نتاجات مطبوعة، ومع الذين لهم مشاركات كتابية عبر الوسائل المختلفة، ومع الذين لهم حضورهم ومشاركاتهم الأدبية والثقافية، ومع هذا لم يحرك المقال فيهم ساكنًا. ومؤخرًا يبدو أن وزارة الإعلام -التي كانت مسؤولة عن معرض الرياض الدولي للكتاب الذي انتهى قبل أسابيع- لم تدعُ بعض الأسماء (المكرَّرة) وفسحت قليلاً لسواها لتحظى بدعوتها لحضور المعرض، فلما ظهر مقال الدكتورة وفاء تنادت بعض تلك الأسماء التي لم تُدْعَ وصفقت للمقال وصبت غضبها على القائمين بأمر المعرض، وهو ما جعل مقالي السابق يقفز لذاكرتي لأقارن بين التفاعل معه ومع مقال الدكتورة وفاء (مع أن كليهما ينتصران لغير المدعوِّين للمعرض)، ليغلب على ظني -وليس كل الظن إثمًا- أن أصحاب الانتفاضة الأخيرة هم تقريبًا (الكبار) الذين عناهم متحدث الوزارة ولم يفصح عنهم، فأظهرهم أخيرًا مقال الدكتورة وفاء. وهُم عندما لم يتفاعلوا يوم أن كتبتُ مقالي فيبدو أنهم كانوا -وقتَها- يحظون بدعوة الوزارة فلم يحرك فيهم المقال ساكنًا، وعندما كتبت الدكتورة مقالها لم يكن بعض هؤلاء الكبار مدعوًّا وهو ما جعلهم يرفعون عقيرتهم.

أعود لأكرر القول بأنني مع الدكتورة في مسألة ضبط الدعوات -ولست معها في إيرادها مصطلحات تصنيفية كـ(الشلة، مناطقية، القبيلة)- وقد طالبت في مقالي الآنف ذكره بوضع ضوابط ومعايير للدعوات تأخذ في اعتبارها (مَن يعمل في خدمة الأدب والثقافة تحت أي منظومة، ومن لهم نتاجات مطبوعة، ومن لهم مشاركات كتابية، ومن لهم مشاركات ثقافية وأدبية كالمحاضرات والندوات والأمسيات، وغيرها مما يتواطأ عليه المثقفون)، وقلت مثل هذا قبل عشر سنوات في مقال لي في «المدينة» بعنوان (نخبوية الاستضافة في معرض الكتاب!)، بالتالي فحديثي اليوم ليس بدعًا من القول. ثم إنني أتساءل: أين هي انتفاضة هؤلاء المثقفِين الكبار من الدعوات الموجهة للمثقفِين في لقائهم بالملك يحفظه الله؟ أين هي من دعوات الجنادرية؟ أين هي من دعوات مؤتمر الأدباء؟ أين هي من دعوات سوق عكاظ...إلخ؟! أم أنهم لايزالون يحظون بدعواتها مما جعلهم يلتزمون الصمت تجاهها؟ العجيب أن بعض هؤلاء الكبار تمت دعوتهم هذه السنة -جريًا على العادة- لمعرض الكتاب، ومع هذا فهُم غير راضِين (هذه السنة بالذات)، ويبدو أن حالة عدم الرضا هذه أتت من إحساسهم بتحول مسؤولية المعرض إلى وزارة الثقافة اعتبارًا من السنة القادمة وبالتالي فهم يريدون لفت انتباهها إليهم على طريقة (نحن هنا)؟ وهل كانت ستظهر هذه الحالة لولا هذا الإحساس؟! ختمًا.. لا تثريب على الكبار في انتفاضتهم المباركة، فقط نريدها تتواصل (على الجبهات كافة)، حتى نَخرج بضوابط موضوعية للدعوات وما في حكمها.