يدور حالياً الكثير من الجدل حول إجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تَبَعاً لنتيجة الاستفتاء الشعبي الذي تم في 23 يونيو 2016م، حيث فَضّل غالبية المشاركين في الاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن هل جاءت نتيجة ذلك الاستفتاء مُمثلةً بالفعل لرغبة غالبية البريطانيين؟.

لن نتطرق هُنا للجَدَل المُحتدِم حالياً حول إجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكن سنتطرَّق إلى بعض الملاحظات حول سؤال الاستفتاء. حيث يرى العديد من المُتخصصين بأن سؤال الاستفتاء كان مَعيباً في تصميمه، وصِيغته غير مرضية من الناحية الفنّية. الدكتور ألان رينويك وأكثر من 175 بروفيسورا من مختلف الجامعات البريطانية؛ نشروا رأياً موحداً في صحيفة التليغراف البريطانية في 14 يونيو 2016م (قبل إجراء الاستفتاء)، حيث ذكّروا بأنّ نتيجة أي استفتاء تُعتبر غير شرعية «ديمقراطياً» إذا لم يَبنِ الناخِبين قرارهم على مِقدارٍ كافٍ من المعرفة (informed decision). وأشاروا إلى أنّ الحملة المُتعلّقة بالتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي بها «مستوى عال جداً من المعلومات الخاطئة لدرجة تجعل الشرعية الديمقراطية للاستفتاء محل تساؤل».

كما يَعترض البعض على تبسيط سؤال الاستفتاء وحصر الإجابة عليه في اختيارين اثنين فقط: «نعم» أو «لا»، حيث إنّ للموضوع العديد من التفاصيل المُعقّدة.

وبلُغة الأرقام، فقد بلغ إجمالي عدد الناخبين 46,501,241 شخصاً، كان عدد المؤيدين منهم للخروج من الاتحاد الأوروبي 17,410,742 (يُمثّلون 51,9%)، بينما فضّل البقاء في الاتحاد الأوروبي 16,141,241 (يُمثّلون 48,1%). أي أنّ الفرق بين الاختيارين كان في حدود 1,27 مليون صوت.

وقد تمّ عمل ما لا يقلّ عن 13 استطلاعًا للرأي خلال الشهور القليلة التي أعقبت استفتاء 23 يونيو 2016م، وطُرح في تلك الاستفتاءات أسئلة مُماثلة لـ»هل ستصوّت لصالحها مرة أخرى؟»، أو «هل كانت الدولة مُحِقّة في التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟». وأظهرت نتائج 11 من تلك الاستطلاعات أنّ الأغلبية في المملكة المتحدة لا تُريد الخروج من الاتحاد الأوروبي. ووفقًا لاستطلاع الرأي الأول، بعد الاستفتاء، والذي تم عمله في 29 يونيو، فإنّ نسبة الذين لم يُصوّتوا يوم الاستفتاء (23 يونيو) مِمّن يُفضّلون البقاء في الاتحاد الأوروبي كانت ضِعف نسبة المُؤيدين للخروج. علماً بأنّ عدد الذين لم يصوّتوا يوم 23 يونيو تجاوز 12.9 مليون شخص.

ويرى البعض بأنّ الديمقراطية التمثيلية (البرلمان) وسيلةٌ أفضل من الاعتماد على الاستفتاء في مثل هذه الحالات، لأن النوّاب يُمكنهم مناقشة مختلف الاختيارات المعقّدة بالتفصيل.

وفي دِيننا الحنيف، فإنّ أصحاب الرأي والخبرة وأهل الحلّ والعقد، مُؤتمنون على دراسة وبحث مثل تلك الجوانب الهامّة في حياة العامّة، أخذاً بعين الاعتبار تحقيق المصلحة من كافة الجوانب الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والبيئية... إلخ، ووفقاً للمنهج الربّاني الذي وَضع ثوابت لا يجب الحياد عنها، كما ترك أموراً يتم تدبيرها وفق ما تقتضيه المصلحة عملاً بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ).

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين