يُحمد لعزيزنا معالي السيد إياد مدني سعيه إلى إنشاء جائزة تحمل اسم والده؛ المؤرّخ السعودي السيد أمين مدني، والذي أضاف كثيرًا لتاريخ الجزيرة العربية، والتاريخ العربي عامة، من خلال كتابه الموسوم بـ»العرب في أحقاب التاريخ».

كما يفترض الإشادة بسعي نادي المدينة المنوّرة الأدبي إلى تبني جائزة السيد أمين مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية، بصورة رسمية، والتي كانت انطلاقتها في عام 1414هـ. وقد تمخض عن هذه الجائزة العديد من الكتب والمؤلفات في تاريخ الجزيرة العربية، ولعلي أخصّ هنا بالذكر بعض الأسماء الفاعلة في تدوين التاريخ العربي في كافة أشكاله، مثل: الأستاذ الدكتور محمّد سعيد الشعفي، وأستاذنا الدكتور محمّد الرويثي، والأستاذ الدكتور عبدالله عنقاوي، رحمهم الله، وسوى ذلك من أساتذتنا الذين نالوا هذه الجائزة العلمية الرفيعة لما أضافوه من إبداع في تاريخ الجزيرة العربية؛ العام والخاص منه.

وبمقدار ما يحفظ للجائزة وأمانتها العامة من ديمومة، حيث يتسنم قيادتها الآن الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيّب الأنصاري، شفاه الله، والذي تعدّ حلقة والده في المسجد النبوي الشريف، رافدًا مهمًا من روافد الفكر والعلم والأدب، قبل مائة عام تقريبًا، وتخرّج فيها عدد من أبناء المدينة المنوّرة، وكتبوا فيما بعد ما وسعتهم الوسائل لتدوين تاريخ البلدة الطّاهرة؛ فإن واقع الحال اليوم يؤكد أنها استطاعت أن تسجل حضورها في مشهدنا المعرفي والبحثي بشكل لافت ومؤثر.

وإذا كان ممّا يجري على ألسنة النّاس، من إشارة إلى ارتباط بين شخصيتي عبيد وأمين مدني؛ فإن ذلك يعود في الأساس إلى جهودهما العلمية والأدبية منذ نشأتهما في حلقات العلم والمعرفة، كحلقة الشيخ الفقيه والأديب والشاعر محمّد العمري، والذي ما يزال ديوانه مخطوطًا، ولم يطبع بعد، على الرغم من احتوائه على قصائد تلقي الضوء على الأحداث التي مرّت بها مدينة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، خصوصًا لجهة الأحداث المأساوية التي عرفت باسم «سفر برلك». وأخال أن كتاب المؤرخ السيد عبيد مدني يتطرّق بالتفاصيل لهذه الحوادث وسواها. ولقد أعلمني المؤرّخ الكبير، والصديق للسيد عبيد مدني -أعني الشيخ عبدالقدوس الأنصاري رحمه الله - في زيارة خاصة قمت بها له مع مطلع 1400هـ بأن كتاب السيد عبيد في تاريخ المدينة المنوّرة، جاهز وموجود في مكتبة السيد عبيد، التي تحوي عشرات المخطوطات في الأدب والتاريخ، وتعتبر مكتبته من أغنى المكتبات في الجزيرة العربية، وذلك لاهتمامه الشخصي بعلم التاريخ، وتاريخ المدينة المنوّرة تحديدًا.

وقد تواتر إلى سمعي أن الجائزة في احتفائها الأخير أعلنت عن تخصيص جائزة باسم معالي السيد الأديب والمثقف والمؤرخ نزار بن عبيد مدني، والذي ورث عن أبيه وعمّه حبّ فن التاريخ، وسيرته الذاتية، التي حملت اسمًا مثيرًا وهو «ذكريات فتًى من طيبة»، إضافة إلى ما أظهره من أسلوب أدبي راقٍ تجلّى في مقدمة كتاب «حارة المناخة» للعبد الفقير إلى الله، والذي يؤكد علو منزلته الأدبية والفكرية، بما يضفي على هذه الجائزة المخصصة باسمه أهمية خاصة بحيث يكون مجال البحث والتنافس فيها مرتبطًا بتاريخ المدينة المنورة، والتي تعتبر من أكثر مدن العالم من حيث الاهتمام بتاريخها ورجالاتها وآثارها المادية والمعنوية.

إن في مثل هذه الجوائز التي عرفها تاريخنا الحضاري والفكري، قيماً سامية، يتقاطع فيها الوفاء والعرفان بصنيع الرجال الأفذاذ، مع استنهاض همم الأجيال اللاحقة للسير في ذات الطريق؛ طريق البحث والمعرفة والعلم، بما يجعل جسر التواصل ممتدًا بين الأجيال على أوثق ما تكون العُرى، وأشرق ما يكون العطاء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.