ما نشاهده الآن في الجزائر والسودان إنما هو جزء من رحلة، قد تطول وقد تقصُر، يتم عبرها إسقاط الأنظمة في العالم العربي، وتوفير الفرص لنشوء أنظمة أخرى محلها. وليس هذا من باب تسجيل الإعجاب بالأنظمة التي سقطت، أو التي سوف تسقط، فنظام القذافي كان من أسوأ الأنظمة في العالم، والأنظمة العسكرية التي يتوالى سقوطها لا تُحقِّق للشعوب العربية طموحاتها، بل تحكمها بقوة الحديد وإثارة الخوف فـي قلوبها، وإنما هـو مسعى لتوضيح خلفية الصورة لثورات (الربيع) بحسناتها وسيئاتها.

ويُوفِّر سقوط الاتحاد السوفيتي وما تلاه؛ صورة من الصور التي يمكن ربطها بما يجري أو سيجري عندنا. فالشعوب التي تثور وتتطلَّع للحرية، تتشابه تطلعاتها في كل أنحاء العالم، والشعوب المقهورة تحمل آمالاً وطموحات متشابهة. وكان الاتحاد السوفيتي ونظامه الشيوعي الماركسي من أكثر الأنظمة قمعاً للمواطنين، إلا أنه كان يرفع شعارات مناهضة لخصومه الأوروبيين والأمريكيين، ويدعم حركات ثورية مناهضة لهم، حققت له مكاسب مادية ومعنوية، لكن عدم مصداقيته فيما يدعو إليه واضطهاده للشعوب التي كانت ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية المتحالفة معه، لم تُمكِّنه من الاستفادة من نقمة كثير من الشعوب على تصرفات إمبريالية للغرب. وأدَّت النقمة الشعبية داخل الاتحاد السوفيتي والضغوط الدولية الاقتصادية والسياسية... وغيرها، إلى انهيار منظومة الاتحاد السوفيتي وحلول نظام جديد في موسكو.

سقوط الاتحاد السوفيتي أدَّى إلى ظهور دول مستقلة من ضمن الاتحاد نفسه، وعددها خمس عشرة دولة بما فيها «روسيا الاتحادية»، ومنها جورجيا وكازاخستان وأوكرانيا وأوزبكستان. وخلال مرحلة قبل الانهيار حاول الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي أن ينهج اتجاهاً أقرب للأنظمة في الغرب، وأطلق على ذلك مسمى «الاشتراكية ذات الوجه الإنساني»، فما كان من موسكو إلا أن اجتاحت قواتها (عام 1968) البلاد تحت مظلة «حلف وارسو»، وبالرغم من تصدِّي المواطنين لدباباتها في شوارع العاصمة براغ، إلا أن موسكو قضت على الفكرة الجديدة للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي بقوة السلاح، وأطلق على محاولة التحرر من السيطرة الروسية وخروج المواطنين لمواجهة الدبابات والمصفحات في الشوارع مسمى (ربيع براغ)، وأطلق مسمى الربيع بعد ذلك على كل محاولة تحريرية في أي عاصمة من العالم.

وقد انهارت الأنظمة في كافة دول حلف وارسو عند سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 (ألبانيا، بلغاريا، ألمانيا الشرقية، بولندا، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، والمجر)، بالإضافة إلى الدولة الشيوعية الأوربية التي لم تكن في الحلف (يوغسلافيا)، ونتيجة لانهيار الأنظمة الحاكمة في هذه البلدان، تغيَّر الواقع الجغرافي والاجتماعي والسياسي. وكمثال، فإن ألمانيا الشرقية التهمتها ألمانيا الغربية في كيان ألماني واحد، بينما نشأت سبع دول من الكيان اليوغسلافي (كرواتيا، سلوفينيا، مقدونيا، الجبل الأسود، البوسنة والهرسك، صربيا وكوسوفو). وانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين تحمل كل منهما نصف اسم الدولة السابقة.

العبرة هي أن ما أصاب أوربا الشرقية ربما يُصيب بلدان الربيع مع سقوط أنظمتها. وكل ما نأمله أن لا يؤدي الأمر إلى فراغ تطول معالجته. وإن كان لازال هناك أمل بأن تتمكَّن بعض أنظمة الحكم المستهدفة بحركات (الربيع) من استباق الأمور وضمان عدم استهدافها لعلَّ وعسى.