• لكل أمة أبطالها ورموزها الذين يتأرجحون بين الحقيقة والخرافة والخيال.. العرب؛ كغيرهم من الأمم، احترفوا هذه الصناعة منذ بدء وعيهم، فانهمكوا منذ جاهليتهم الأولى في صناعة (أبطال) من خلال ثقافة اعتمدت الشفاهية والنقل أكثر من اعتمادها على التدوين، فلكي تعيش الحكاية؛ لابد أولاً أن تلقى قبولاً من المستمع؛ الذي يحفظها ليصبح بعد ذلك من رواتها؛ بقليل أو كثير من التصرف!.. هكذا ساهم ملايين العرب عبر تاريخهم الطويل في صناعة أبطالهم، بدءاً بـ(امرؤ القيس وعنترة وأبوزيد والزير وابن ذي يزن)، وليس انتهاءً بالسندباد، وعلاء الدين، وجحا!. وعلى الرغم من كل تحفظاتنا التاريخية على سير الأسماء السابقة؛ وما شابهها من مبالغات ومغالطات -تراكمت عبر التناقل الشفهي- لتصل أحياناً حد التصادم مع العقل والمنطق، إلا أن كل اسم منها كان يرمز لقيمةٍ إنسانية معينة.. كالشجاعة أو الكرم أو العدل، أو حتى الطرافة والظرف.. وربما كان هذا سبب قبولها ولمعانها حتى اليوم.

• كان هذا هو حال المتقدمين من (أبطال العرب)، أما المتأخرين فحالهم أكثر سوءاً وتأخراً، فبالنظر إلى طبيعة العصر الاتصالاتية -التي لم نساهم للأسف لا في اختراعها ولا حتى في تطويرها- تحوَّرت هذه الصناعة من صناعة لفرسان ذوي مواصفات وقيم إنسانية عليا، إلى مجرد استنساخ مُشوّه لنماذج لا تُمثِّل أي قيمة أو هدف إنساني، فضلاً عن عدم اقترابها بأي حال من ثقافتنا وموروثنا، فالبطل أو النجم أو (المشهور) كما يُسمَّى في أدبيات العصر، ليس بالضرورة أن يحمل قيمة أو ميزة فريدة، يكفي أن يكون (ستايل) وأن (يتميلح) لكي تبتزنا الفضائيات ووسائل التواصل لصنعه ومتابعته، والتصويت له آناء الليل وأطراف النهار!

• هل لاحظت أنك أينما يممت وجهك في الفضاء العربي ستجد حتماً مشروع بطل (تافه) يطلب منك -بلا أدنى حياء- المساهمة في صنعه، ليس على طريقة عنترة والزير طبعاً، فتلك أمة قد خلت، ولكن بطريقة جديدة وأدوات مختلفة، أبرزها أن (تدفع) بـ(الريال) أو بـ(الدولار)، لتمتلئ المسافة بين صناعة (البطل) واستغفال الشعوب تصفيقا، ووهماً وتفاهة!. ولأن هذا النوع من البطولة الوهمية لم يعد يتطلب المؤهلات السابقة، فلا غرابة أن يبحث عنها الجميع، لترتفع بورصة (الأبطال) الورقيين، ويكثر عددهم رغم أنهم جميعاً يتشابهون حد التطابق!.

• المضحك أن العرب اختلفوا وتصارعوا حول كل شيء تقريباً إلا حول صناعة (البطل)، فلكل طبقة (بطلها) المفضل.. والأكثر غرابة أن هذه الصناعة لم تجد إلى العلم سبيلا، حيث يبدو أن العرب يصنعون (البطل) في الميادين التي يعرفون والتي يحبون فقط.. ولأنهم لا يحبون العلم ولا ما يُقرِّب إليه من قولٍ أو عمل.. فقد صرفوا النظر عن اختراع (بطلهم) في العلم والمعرفة العلمية.. ولكي نكون متفائلين سنقول: "حتى إشعار آخر".