بعد أيامٍ قليلة، سنستقبل إشراقة شهر رمضان المبارك، نسأل الله الحي القيوم أن يجعله مباركاً علينا، وعلى وطننا، وأمتنا العربية والإسلامية. وخلال هذا الشهر المبارك تكتظ الأجهزة الإعلامية العربية بمختلف صورها واتجاهاتها، وكل المنابر الدعوية بوجود مُفتين على كل صغيرة وكبيرة، هكذا تعوَّدنا كل عام، وستكثر من خلال تلك البرامج تحريم كل ما حرَّمه الله، وأحياناً ما أحلَّه الله، وما يُؤكِّد قولي هذا تلك المئات من المُحرَّمات التي أدلى بها بعض المُفتين سابقاً، ثم أصبحت فيما بعد حلالاً، فكيف يكون ذلك ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي الدرداء: (ما أحلَّ الله في كتابه فهو الحلال، وما حَرَّم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ، فاقبلوا من الله عافيته)، ونبينا صلى الله عليه وسلم الذي اختاره الله تعالى لتبليغ دعوته، لم يُحرِّم شيئاً لم يُحرِّمه الله في كتابه، فكيف بالبعض يتجرَّأ ويُحرِّم ما يراه هو، ويتناسى أن تلك المُحرَّمات قد حُدِّدت في القرآن الكريم بكل وضوحٍ، وفُصِّلت في آياتٍ أخرى.

فإطلاق فتاوى التحريم دون دليل بيِّن من القرآن الكريم، يُعدُّ تجاوزاً على الله سبحانه وتعالى، وعلى نبيه محمد صلَّى الله عليه وسلم، وكم أتمنى من الأجهزة ذات العلاقة بالإفتاء أن تتدخَّل لتقنين تلك الفتاوى، والتوجيه بعدم الخوض فيها إلا بدليلٍ من كتاب الله الكريم، ومَن يُخالف ذلك يتعرَّض للعقاب الصارم. فهذا الفعل يُعدُّ تجاوزاً صريحاً على حق من حقوق الله، وهو أمر يفوق جُرمه كل تجاوز، كما يُعدُّ تهاوناً يُفقد الأمة مصداقيتها، كما تُشوَّه الصورة الناصعة للدين الإسلامي بتلك الفتاوى التي تتحوَّل مستقبلاً من حرامٍ إلى حلال، كما هو حاصل في عدة فتاوى سبقت، وخاصة أننا نعلم أن ما حرَّمه الله قد حرَّمه كل الأنبياء السابقين، ونعلم أيضاً أن الأصل في كل الأمور الحِل، إلا ما حرَّمه الله في كتابه.

وكم أتمنَّى أن تتولَّى المؤسسات الدينية في عالمنا العربي والإسلامي تقنين الكثير من الأمور الشرعية حتى لا يُترَك حبل الفتوى على الغارب، فتجد الأمة نفسها مستقبلاً تعيش في بيئة يكتنفها التحريم من كل جانب، فتُغلق كل أبواب التفكير والإبداع والإنتاج، بعد أن كبَّله المُحرِّمون. والله من وراء القصد.