توقفتُ في الحلقة الماضية عند أخذ بعض الفقهاء بحديث: "لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلّا بإذنه"، رغم مخالفته للقرآن الكريم الذي جعل بيت الزوجية بيتاً للزوجة.. وممّا يؤكد عدم صحته، وجود أحاديث ضعيفة، منها:

1- ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أنّ امرأة من خثعم أتته صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أخبرني ما حق الزوج على الزوجة، فإنِّي امرأة أيّم، فإن استطعت وإلا جلست أيِّماً، قال: "فإنّ حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها وهي على ظهر قتب أن لا تمنعه نفسها، ومن حق الزوج على الزوجة أن لا تصوم تطوّعًا إلّا بإذنه، فإن فعلت؛ جاعت وعطشت، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه، فإن فعلت؛ لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع، قالت: لا جرم لا أتزوج أبدًا"، وقال الهيثمي في "المجمع" (4/ 307): رواه البزار، وفيه حسين بن قيس المعروف بحنش، وهو ضعيف، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله ثقات قلت: (أي الهيثمي): "بل هو متروك".

2- حديث: "أيما امرأة خرجت من بيت زوجها بغير إذنه، لعنها كل شيء طلعت عليه الشمس والقمر، إلاّ أن يرضى عنها زوجها". رواه الديلمي (1/2/353-354) من طريق أبي نعيم عن أبي هدية عن أنس مرفوعًا، ويقول الشيخ محمد ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها على الأمة، حديث رقم 1550: قلت: وهذا موضوع، وأبوهدية اسمه إبراهيم بن هدية متروك، حدَّث بالأباطيل عن أنس.

3- روى ابن بطة في أحكام النساء عن أنس أنَّ رجلاً سافر ومنع زوجته الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت رسول الله في عيادة أبيها، فقال لها: "اتق الله ولا تُخالفي زوجك"، فمات أبوها فاستأذنته عليه الصلاة والسلام في حضور جنازته، فقال لها: "اتق الله ولا تخالفي زوجك"، فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إنِّي غفرتُ لها بطاعة زوجها".. ويُعلِّق ابن قدامة على هذا الحديث بقوله: "ولأنَّ طاعة الزوج واجبة، والعيادة غير واجبة، فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب، ولا يجوز الخروج لها إلاَّ بإذنه". ثمَّ يعود ويستدرك فيقول: "ولا يجوز لها الخروج إلاَّ بإذنه، ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما، لأنَّ في ذلك قطيعة لهما وحملاً لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف.. وهذا الحديث ضعيف متناً وسنداً، (فمن حيث الإسناد): فابن بطة يقول عنه الذهبي صاحب كتاب سير أعلام النبلاء: قلت لابن بطة مع فضله أوهام وغلط، وقد صنَّفه ضمن الطبقة (21).. وقال عبيدالله الأزهري: ابن بطة ضعيف، وعندي عنه "معجم البغوي"، ولا أخرج عنه في الصحيح شيئًا. وقال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: لم يسمع ابن بطة الغريب من بن عزيز، وقال: ادعى سماعه، قال الخطيب: وروى ابن بطة كتب ابن قتيبة، عن ابن أبي مريم الدينوري، ولا يعرف ابن أبي مريم.. (ومن حيث ضعفه متنًا): أنه لا يمكن أن يقر الرسول منع الزوج زوجته زيارة أبيها، فكيف إن كان مريضًا، وهو لا يتفق مع قوله تعالى: (وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه وبالوالديْن إحساناً)، ومن الإحسان إليهما برّهما وزيارتهما وخدمتهما في المرض، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فعدم البر بالوالدين والسؤال عنهما وزيارتهما من العقوق بهما، والعقوق من أكبر الكبائر.. وواضح من نص الحديث أنّ المرأة خرجت من بيتها لتستأذنه عليه الصلاة والسلام زيارة والدها المريض، ومادام زوجها قد منعها من الخروج من البيت، فهي عصته وخرجت، والذي يجعلها تخرج من بيتها لأخذ الإذن منه عليه الصلاة والسلام بمخالفة زوجها وزيارة والدها، يجعلها تذهب مباشرةً للاطمئنان على والدها، وكيف يقبل رسول الله خروج المرأة لسؤاله، ولا يُنبّهها إلى عصيانها لأمر زوجها بخروجها من البيت؟.

وهكذا نجد مُعدِّي منهج الثقافة الإسلامية للمرحلة الثانوية يستدلون بأحاديث ضعيفة لتُوافق ما يُريدونه، وينسبونه إلى الإسلام!