تتداخل المراحل في حياة الإنسان على هذا الكوكب، فلا يعرف تحديدًا متى بدأت، ومتى تنتهي، ولكن النّاس؛ صغيرهم وكبيرهم، غنيّهم وفقيرهم، أميّهم وعالِمهم، يجمعون على أنّ لهذه الحياة نهاية، كما كانت لها بداية، وهي بداية لا يعلم بداياتها الموغلة في الأزل سوى الخالق وحده، جلّ في علاه، كما أن نهاياتها هي ممّا اختصّ به الواحد القهّار، ذاته الأزليّة، وذلك كله يُجسّد ضعف النّفس البشرية، وعدم قدرتها على الخروج على ما وضعه الخالق لهذا الكون من نواميس، وهو وحده الذي يحيط بلطفه الخفيِّ، ورحمته الواسعة عباده، فيسمع شكواهم، وتبلغه آهاتهم على اختلاف ألسنتهم، ولقد خلقهم وهو البصير بأحوالهم، والقادر على إنقاذهم، فأمره وحده بين الكاف والنون، وفي لحظة بين غمضة عين وانفتاحها.

أكتب هذه السطور بعد مغادرتي لعزاء ابنة الصديق الأستاذ محمّد أحمد بكري، بعد معاناة مع المرض، فاختارها الله إلى جواره، وهو الأرحم بها، فبذلك السقم الذي عانت منه، رفع الله درجاتها، وأنزل السكينة على أهلها وأقاربها، فما أعظم قيمة الصبر، وما أرفع درجات الصابرين، فلا يجازي على الصبر إلّا هو عزّ في علاه، وقد جاءت بذلك آيات بيِّنات، خاصة على التمثُّل بالصبر، والتعويل على مقاصده العُليا، التي اختصّ الله بها مِن عباده مَن يشاء.

تعود معرفتي بالأخ والأب المكلوم؛ محمّد بكري، مع نهاية الثمانينيات الهجرية؛ حيث جمعنا بهو مدرسة طيبة الثانوية، فتعرَّفت عليه عن قرب، كما تعرّفت على زملاء كرام، من أمثال: محمّد حمزة خشيم، وأسامة ومحمّد عبدالحكيم عثمان، وعلي غرارة، وعبدالملك القين، وسواهم، كما كانت لنا الحظوة بتلقّي العلم على أيدي أساتذة أجلاء، من أمثال: محمّد الرويثي، وعبيد كردي، وصالح حبيب، وعلي علوي، وعبدالحميد الأصيل، ومحمّد العيد الخطراوي، وخالد الجر، وأفتاب وحسين الخطيب، رحم الله من ذهب منهم، وبارك فيمَن بقي. ولقد كانت نفس عزيزنا محمّد تمتلئ حماسةً ونشاطًا، وكذلك كان شقيقه «حمزة»، ولقد ورثوا عن والدهم العم الكريم «أحمد بكري» إكرام أهل العِلم والفضل، فكانت دارهم في حيِّ قباء مقصدًا لوجوه القوم في المدينة المنوّرة وسواها.

وتحملني الذاكرة إلى ذلك الزمن الجميل، متذكّرًا وجوه قوم كرام، فلقد شاهدت لأوّل مرّة في تلك الدار الأديب الكبير السيد محمّد حسن فقي، وكنّا نقرأ ديوانه الموسوم «قدر ورجل»، دون أن نحظى بملاقاته، وكان الفقي والسرحان وشحاته والعوّاد يمثلون لنا أسطورة، وكنا في معظم الأحيان لا نقدر على فكّ رموز تلك الشخصيات الأسطورية المبدعة فنًّا خالصًا؛ شعرًا رقيقًا، ونثرًا أصيلاً. كما سعدت وتشرَّفت بمعرفة الإنسان النبيل السيد الدكتور عبدالله صادق دحلان في تلك الدار الرحبة، ورأيته فيما بعد في حيِّ الشامية المبارك، حيث كانت تسكن أسرته وأسرة خؤولته من السادة الكرام آل مدهر.

وحالت ظروف هذه الحياة دون أن ألتقي أخي محمّد في هذه السنين الخوالي، ولكنّي شاهدته قبل عام، ولمحت حزنًا يرتسم على محيّاه، فعلمت أنه من حزنه على مرض قرّة عينه.. وما أعظم الحزن على مرض قرة العين.

عزيزي محمّد. لقد صبرت أنت ووالدتها الفاضلة خاصة، والأقارب عامة؛ فاحتسبها عند المولى القدير، ولك في سيّدنا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أسوة حسنة,

عندما مات ابنه إبراهيم، حيث قال: إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون».

وأُحدِّثك يا عزيزي محمّد صادقًا أنني تمنيتُ أن أكتب هذه السطور في مناسبة فرح وسرور، ولكنه القضاء والقدر، ونحن جميعًا تحت رحمة مشيئة الله وحكمه.. فاللهم نسألك جودًا وإحسانًا وكرمًا وفضلاً، ولطفًا خفيًا مما خبّأته في اللوح المحفوظ.