ذكرت في مقالاتٍ سابقة في هذه الصحيفة الغراء، أن جامعتنا الحبيبة: جامعة الملك عبدالعزيز لها أسماء وألقاب عدة منها: جامعة المؤسس، وأم الجامعات، والجامعة الولود الودود. وأريد أن أتوقف هنا عند هذا اللقب الأخير لأقول: إنها الجامعة الولود لأن كثيراً من الجامعات السعودية ومنها جامعات كبرى اليوم تعتبر من بنات جامعة المؤسس، إذ كانت فروعاً لها ومن ثم استقلت وأصبحت قائمة برأسها، ومنها «أم القرى، وطيبة، وتبوك، وجازان، والحدود الشمالية.. وغيرها»، أما لقب «الودود» فاستحققته الجامعة بجدارة أيضاً لما قامت عليه من المودة والمحبة والتآزر والعرفان بين جميع منسوبيها، قادة وإداريين وأساتذة وطلاباً، إذ تقوم علاقتهم جميعاً على الاحترام والتقدير، ومن ذلك ما دأبت عليه الجامعة من تكريم كل من تقاعد أو ترك منصبه لانتهاء المدة أو انتقل إلى عملٍ آخر خارجها، قيادي أو اعتيادي، ويكون ذلك التكريم فردياً أو جماعياً، وهذه السُّنَّة الحسنة طالما دفعت كل منسوبيها إلى المزيد من العطاء والتفاني والإخلاص، وما يزيد مناسبات التكريم دفئاً وحميمية وجمالاً حضور رأس الهرم في الجامعة شخصياً ووكلائه والعمداء وبقية المسؤولين، وهو ما دأب عليه المديرون السابقون، ومازال يحرص عليه المدير الحالي معالي أ. د. عبدالرحمن بن عبيد اليوبي.

وكان من أهم مناسبات التكريم في هذا العام الدراسي، حفل تكريم سعادة الأستاذ الدكتور عبدالله بن مصطفى مهرجي الذي تولى وكالة الجامعة خلال الفترة من 1433هـ إلى 1440هـ، وبعد تقاعده استعانت الجامعة بخدماته ليستمر عطاؤه العلمي والفكري والإداري، وأقيم الحفل بمركز الملك فيصل للمؤتمرات يوم الأربعاء 12/8/1440هـ، وامتلأت القاعة الكبرى عن بكرة أبيها بالحضور من الجنسين، إداريين وأساتذة وطلاباً، وكان من بين الحضور مسؤولون كبار ومديرون سابقون للجامعة منهم معالي أ. د. أسامة بن صادق طيب، إضافة إلى مديري جامعات سعودية أخرى من أبناء جامعة المؤسس، منهم معالي أ. د. عبدالله عمر بافيل مدير جامعة أم القرى، ومعالي أ. د. أحمد نقادي مدير جامعة بيشة، ومعالي أ. د. عدنان الحميدان مدير جامعة جدة، وآخرون، وكان للأخوات من أستاذات وطالبات مشاركات فاعلة في الحفل وألقت د. هدى البطاطي قصيدة عصماء بهذه المناسبة من شعر إحدى الزميلات في الجامعة. وقد عرفتُ الأخ والزميل والنسيب سعادة الأستاذ الدكتور عبدالله بن مصطفى مهرجي منذ ثلاثين عاماً أو يزيد، فسنّنا متقارب، واهتماماتنا الفكرية والأدبية مشتركة، ومازلتُ أذكر ذلك الشاب الوسيم المُفوّه الذي كان يدير ندوات الجامعة الكبرى أو يقدمها بلغته الفخيمة، وهيئته الوسيمة، وأذكر لك «السديري» الذي يزيده أناقة على أناقة أهل مكة المكرمة المعهودة، ولم ألبث أن عملت معه لسنوات حين كنت ممثل كلية الآداب في المجلس العلمي بالجامعة، وكان سعادته ممثل كلية الهندسة، فقد كنَّا في بداية العشرينيات الهجرية وكيلين للدراسات العليا في الكليتين، فازددت إعجاباً بطرحه الموفَّق للموضوعات، ودفاعه عن الحق ووقوفه إلى جانب الأساتذة بقدر ما يسمح به النظام، وكنا في ذلك من مدرسة واحدة تقوم على الحرص على نفع الناس قدر المستطاع، والإمساك عن الإضرار بهم، وذلك المجلس العلمي كان وما يزال بمثابة «مجلس المُحكّمين» في الجامعة، إذ تُبحث فيه القرارات المصيرية، كالتعيين والترقية والتفرغ العلمي ونقل الخدمات وسوى ذلك كثير. وبعدها عملتُ معه في عمادة شؤون الطلاب رئيساً للجنة الثقافية العامة بالجامعة، وحققنا للجامعة الكثير من الإنجازات الثقافية بتشجيعه ومؤازرته. وكان له من الإنجازات في عمادة شؤون الطلاب ما لا تُخطؤه العين، وبعد كل إنجازٍ أو بطولةٍ أو تصدّر للجامعة كان يقول قولته الشهيرة: «القادم أحلى»، ثم استفادت الجامعة منه أكثر فأكثر حين تولَّى وكالتها لسبع سنوات انتهت بتقاعده، كما أسلفت، ترك فيها بصمات كبرى في كل الشؤون الإدارية والمالية.

وبعد.. «هل ترجَّل هذا الفارس؟».. لم يترجَّل الفارس لأنه مازال قادراً على العطاء في كليته العتيدة التي درس فيها، وعُيِّن فيها معيداً، وابتعث منها، ورأس أحد أقسامها، وعمل وكيلاً للدراسات العليا فيها، وعاد ليحط الرحال فيها من جديد، أستاذاً وموجهاً ومستشاراً، شأنه شأن كثير من قامات هذه الجامعة الولود الودود، التي تحيط كل أبنائها وبناتها بكل معاني الحب والوفاء والتقدير.