تناولنا في الجزء السابق أمثلةً على الزَّبَد الإعلامي الذي يتضمن معلومات مغلوطة أو دراسات واستطلاعات رأي جانبها الصواب؛ بسبب خللٍ في منهجية العمل، مثل عدم اختيار العيّنة المُمثّلة لمجتمع الدراسة، أو خلل في تحليل البيانات، أو بسبب التزوير المُتعمّد للنتائج.

وفي حين يتزايد استخدام استطلاعات الرأي في المجالات الاجتماعية والتجارية والسياسية وغيرها؛ إذ إنّها تأخذ بعين الاعتبار الظروف الزمانيّة والتعليميّة والجُغرافيّة والاجتماعيّة والثقافيّة كافة... إلخ المؤثّرة على وجهات النظر الشخصيّة المتفاوتة حول المواضيع المتنوّعة. إلّا أنّه من المهم، عند عمل دراسات استطلاعات الرأي، مُراعاة جودة التمثيل وجودة التحليل.

يجب تطبيق الدراسة على عيّنة «مُمثّلة» لمُجتمع الدراسة؛ إذ إنّه لمعرفة رأي مجتمعٍ ما حول موضوعٍ مُعين، ولأنّه يصعب أخذ آراء كل فردٍ بعينه من ذلك المجتمع، يُؤخذ رأي مجموعة أصغر (عيّنة) لتمثيل المجتمع. ويجب أن تكون الفرصة متساوية لجميع فئات المجتمع للمشاركة في العيّنة دون التحيّز لأي فئةٍ عمريّة أو اقتصاديّة أو تعليميّة، مثلاً. كما أنّه من المُهم مُراعاة حُسن اختيار حجم العيّنة لرفع مستوى الموثوقية.

ويُنصح بتنفيذ استطلاع رأي تجريبي قبل تنفيذ الاستطلاع الفِعلي للتأكّد من وضوح الأسئلة، وبأنّ المشاركين فهموا بالفعل المقصود الحقيقي من الأسئلة ولم يفهموا شيئًا آخر. كما يجب تفادي وضع أسئلة «مُنحازة»، وهي الأسئلة التي تُوجّه المشارك نحو إجابة مُعيّنة. ومثالٌ على ذلك، سؤال: «هل أعجبتك خدمتنا الرائعة التي تم تدشينها الشهر الماضي»؛ إذ تتضمن صيغة هذا السؤال تقييمًا للخدمة بأنّها «رائعة»؛ ما يُوجّه المشارك ضِمنًا للإجابة بـ«نعم».

وفيما يتعلّق بتحليل البيانات، ولكي تكون النتائج صحيحة وواقعية، فإنّه يجب دراسة العوامل المُختلفة المؤثّرة على الاستطلاع. على سبيل المثال، في دراسةٍ إحصائية للتعرّف على معدّل انتشار الجريمة في إحدى المدن، وُجد بأنّ أكثر الجرائم مُسجّلة في المنطقة المُحيطة بمركز الشرطة! وبالتالي فإنّه قد يُفهم، ولو للوهلةِ الأولى، بأنّ المنطقة المُحيطة بمركز الشرطة أقلّ أمانًا من غيرها، إلّا أنّه بالبحثِ في التفاصيل، وُجد بأنّ سبب ارتفاع عدد الجرائم المُسجلة في المنطقة المُحيطة بمركز الشرطة هو ارتفاع مُعدّل التواصل مع المركز؛ للتبليغ عن الجرائم في تلك المنطقة، مُقارنة بالمناطق الأخرى من المدينة.

تُستخدَم استطلاعات الرأي بشكلٍ مُتزايد في مجال الخدمات والضيافة والسياحة؛ إذ تُعوّل منظومات العمل الراقية على استطلاع آراء العملاء لرفع جودة خدماتها على المدى القريب والبعيد. وتُعتبر مدينة الترفيه العالمية ديزني لاند، من أبرز الجهات العالمية التي تسعى دوماً إلى تلبية تطلّعات وآمال عملائها، وهو العامل الأهم في استمرارية أعمالها وازدهارها. ولذلك تحرص ديزني لاند على استطلاع آراء عملائها باستخدام استمارات التغذية الراجعة (Feedback) من خلال المسح الميداني عند مداخل المنتزهات والمخارج ورسائل البريد الإلكتروني وغيرها. فإضافة إلى التعرّف على تقييم الزوّار للخدمات التي تلقّونها مؤخراً؛ ما يُسهم في أخذ إجراءات تحسين الخدمة الفورية، كذلك يُسأل العملاء عن أمورٍ أخرى تُفيد في تطوير العمل المستقبلي، مثل سؤالهم عن التقنيات التي يستخدمونها حاليًّا، وتلك التي يخططون لشرائها مستقبلًا؛ لتتمكن الشركة من مواكبة تطلعاتهم.

وفي مجال خدمة ضيوف الرحمن، فإنّه يُعوّل على برنامج قياس رضا الحجاج، المُنفّذ في عدة جهات، وبدأت به وزارة الحج والعمرة منذ عام 1435هـ، ليُمثّل الوسيلة الفاعلة لمُعالجة ملاحظات مُتلقي الخدمة أنفسهم بشكلٍ فوري، إضافةً إلى أنّه من أهم موجّهات التطوير المستقبلي للخدمات المختلفة المقدّمة لضيوف الرحمن.. وللحديث بقيّة إن شاء الله تعالى.

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين