يُعد (تويتر) من أفضل ما تفتَّقَ عنه العقلُ البشري، ويُقصد به (صوت العصفور) الذي هو (التغريد) حين يحمل أعذب الألحان وأشجاها. تويتر -مذكرًا كان أم مؤنثًا- أصبح بحق سيد الساحة، ولا أظن أن هناك وسيلةً تقنيَّةً أخذت من الاهتمام والشغف والممارسة ما أخذه تويتر، حتى أُلِّفَتْ فيه المؤلفات التي تناولت محتواه، وسُلطته، ومنها كتاب الدكتور عبدالله الغذامي (ثقافة تويتر)، وهناك كتب تناولته بوصفه وسيلة للإقصاء والتصفية والتشفي ككتاب الأستاذ محمد العباس (تويتر.. مسرح القسوة)، وهناك كتب تناولت أولوياته وطرائفه وغرائبه ككتاب الأستاذ محمد بدوي (الطيور على أشكالها تقع)، وهناك كتب تناولته من جانب الكيفية التي تتم بها صياغةُ تغريداتٍ تتصف بالجودة والإبداع ككتاب الدكتور عبدالله الحيدري (فن صياغة التغريدات). لم يتوقف الشغف بتويتر عند مسألة التأليف عنه والكتابة عن عوالمه، ولذا رأينا بعضًا من التويتريين نزعوا لانتخاب بعض من تغريداتهم المميزة التي نشروها على حساباتهم في تويتر ليجعلوا منها كتبًا تمثل ومضات خاطفة، ومنهم الأستاذ محمد الرطيان في كتابه (أغاني العصفور الأزرق)، والأستاذ عبده خال في كتابه (شقشقات). ثم تخطى الاهتمامُ بتويتر مسألةَ التأليف عنه والانتخاب من بحر تغريداته (السردية) إلى الاهتمام بما نُشر فيه من نصوص إبداعية، فرأينا مَن يعمد لتغريداته (الشِّعرية) وينتخب منها ما يراه يصلح لأن يكون ديوانًا يُتداول ويُقرأ، فيصدره تحت عنوان مستوحى من عالم تويتر، فهذا الأستاذ عيسى جرابا يصدر ديوانًا شعريًّا منتخَبًا من أشعاره في تويتر سمَّاه (على أغصان تويتر)، وليس بعيدًا عنه الدكتور مكين القرني الذي انتخب من أشعاره في تويتر ما وفَّى له بإصدار ديوان تحت مسمى (بوح التغاريد). ولعل مؤلفات أخرى ورسائل جامعية تظهر وتتخذ من تويتر موضوعًا لها، كأن تتكلم عن أدواره التربوية والتثقيفية، أو عن تأثيره في مجرى الأحداث، أو عن تأثيره في تغيير الأفكار والاتجاهات والميول، أو عن دوافع المتخفِّين خلف أسماء وهمية، أو عن الجانب السلبي فيه، وغير ذلك. هذا الاهتمام والاحتفاء الكبير بتويتر جعله يحتل مركز الصدارة على بقية وسائل التواصل وخاصة في دول الخليج، فأصبح التويتريون كأصحاب المحلات، يعرض كل منهم بضاعته -ممثلة في أفكاره- على المتسوقِين، وكلما كانت الفكرة أكثر نضجًا ووعيًا كانت أقرب للتلقف عند الواعِين. يقينًا إن المتابع لتويتر يلحظ أن التويتريين مشارب ومذاهب؛ فمنهم الوعظي، ومنهم التعليمي، ومنهم التثقيفي، ومنهم الرأسي، ومنهم الأفقي، ومنهم التعقيبي، ومنهم الرتويتي، ومنهم الصامت، وكل هذه الأصناف وغيرها تمارس أدوارًا -بغض النظر عن قيمتها- ماعدا الأخيرَين اللذين غاب عنهما أن التويتريين ينبغي أن يفتحوا النوافذ لتبادل الرأي والحوار والمثاقفة، لا أن يبقى بعضهم أسرى الرتوتة أو الصمت؛ إذ من أوجب الواجبات على التويتري أن يكون متفاعلاً، لا مرسلاً رأسيًّا متقمصًا دور المُمْلي العُلوي، عليه أن يداخل ويبرر ويُعيد ما يراه ذا فائدة، إلا إن كان يرى أنه بلغ منزلة (العصمة) فذاك شأن آخر، وقد قلتُ ذات تغريدةٍ في هذا الشأن إنه ‏ينبغى ألا يكون المغرد رأسياً (مُمليًا) بل أُفقيًّا (متفاعلاً) بالتعليق والتدوير والاقتباس. لقد أصبح تويتر منصةً للجميع، ونافذة للتواصل والنشر وطرح الرأي، بل أصبح وسيلة فاعلة لحشد الرأي وتغيير مسار أي قضية، والضغط على الجهات المقصرة والمتخاذلة، وصوتًا لمن لاصوت له، وآيةً للعصر، ومحورَ الربط العالَمي، حتى أصبح الجميع (صغيرًا وكبيرًا، مواطنًا ومسؤولاً، أفرادًا ومؤسساتٍ) على كَفِّه، وله عندهم المنزلة الأسمى؛ فهو لسانهم ووسيلتهم الفاعلة، ولذا فليس بمستغرب هذا التحول المتسارع نحو عوالمه وخدماته الجليلة وفضاءاته الرحبة. وعليه فالمشاركة فيه مطلب، ولكن المشاركة (التفاعلية المتنوعة الواعية) مطلب أهم.