تطرّقنا في الجزءين السابقين إلى بعضٍ من الزَّبَد الإعلامي وما يصلنا عبر رسائل التواصل الاجتماعي المُختلفة، ثم أوضحنا بعض أهم المُتطلّبات اللازم مُراعاتها عند تنفيذ استطلاعات الرأي لتكون النتائج سليمة.

ومع ذلك، فإنّ «التزييف» و»الغثاء المعلوماتي» للأسف لا يَقتصر على رسائل التواصل الاجتماعي، ولكنّه طال أيضاً بعض الأبحاث والدراسات العِلميّة، رغم أنّها تخضع في العادة إلى تدقيق وتمحيص أهل الاختصاص. حيث لا يتم نشر أي ورقة بحثيّة في المجلّات العلميّة المرموقة إلّا بعد أن تخضع لمراجعة عدد من المُتخصّصين، بل وحتى بعد نشر البحث في المجلّات المُتخصصة، فإنّ التمحيص، اللاحق، من قِبل الباحثين كَفيلٌ باكتشاف التزييف والتحريف. ومع ذلك فقد قام بالتزييف العِلمي بعض الباحثين، منهم مَن وصل إلى مواقع هامّة في المجتمع العلمي، ومثالٌ على ذلك ما يلي:

في عام 2016م، سَحَبت دار النشر العِلمي المعروفة Springer Nature عدد 58 بحثًا تم نشرها سابقاً في 7 مجلات، لوجود تلاعب في التأليف و/أو الغش العلمي، وقد قام بتأليف معظم تلك الأبحاث باحثون مُقيمون في إيران.

المقال البحثي المنشور في عدد ديسمبر 2014م من مجلة Science المرموقة بعنوان: «عندما يُغيّر الاتصال العقول»، والذي تصدّر في حينه عناوين عدد من الصحف الدولية، وانتشر بشكلٍ واسع، قامت المجلة في مايو 2015م بسحب المقال من موقعها الإلكتروني بسبب العديد من المخالفات في المنهجية والبيانات المُزيّفة. ولاحقاً ألغت جامعة برينستون عرضها الوظيفي المقدّم لمايكل لاكور، المؤلف الرئيسي للبحث، للعمل لديها كأستاذ مساعد.

وفي مجال الدراسات الطبية، التي يُفترض أنّها أكثر دقّةً وانضباطاً، نشرت مجلة Nature عام 2012م تقريراً يُفيد بأنّه عندما حاولت شركة الأدوية والتقنيات الحيوية (Amgen) إعادة تنفيذ 53 دراسة من أبرز الدراسات المُتعلّقة بعلاج السرطان، والمنشورة سابقاً في مجلّات علمية مرموقة، وجدت بأن 47 دراسة منها «لا يُمكن تكرارها»، مما يعني أن النتائج التي توصّلت إليها 89% من تلك الدراسات غير دقيقة. وعندما حاولت شركة (Bayer) تنفيذ مشروع مشابه، اتضح بأن نتائج 65% من الدراسات المُنفّذة سابقاً «لا يُمكن تكرارها».

فيما توصّل تحقيقٌ أجرته جامعة كونيتيكت بالولايات المتحدة الأمريكية إلى أن المدير السابق لمركز أبحاث القلب والأوعية الدموية في الجامعة د. ديباك داس، قام بتلفيق أو تزوير بيانات عدد 145 بحثاً علمياً!!

وعندما قام مجموعة من الباحثين المُتطوّعين بمراجعة وإعادة تنفيذ عدد 100 دراسة علميّة منشورة سابقاً في 3 مجلات رائدة في مجال علم النفس، توصّلوا إلى أنّ أكثر من نصف النتائج المرصودة في تلك الأبحاث «لم تصمد عند إعادة اختبارها» أي أنّها غير دقيقة!

هذه بعض الأمثلة على التزييف في مجال البحث العلمي، لا نهدف من ذكرها التشكيك في الأبحاث العلميّة ورفض نتائجها، وإنّما توضيح ما قد نُصادفه من «زَبَد» في مجالاتٍ مختلفة، مما يتطلب التريّث والتروّي في تداولنا للمعلومات وأخذها من مصادرها الحقيقيّة، وتمريرها على مرحلة أوليّة، على الأقل، من التنقية و«الفَلتَرة».

ونختتم الحديث في هذا الموضوع في الجزء القادم والأخير بإذن الله تعالى.

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين