في شهر الخير يزداد الإقبال على شراء المنتوجات الغذائية ومنها الفواكه والخضراوات، ومما يثلج الصدر، ويسعد القلب، ما بتنا نراه اليوم من انتشار المحاصيل الزراعية الوطنية في كل مدينة وقرية في بلادنا الغالية.

وتتقدمها بالطبع محاصيل القصيم، ويحق لنا أن نسمي القصيم (سلة الغذاء في المملكة العربية السعودية) دون أي مبالغة، ودون أن ننسى محاصيل جازان ونجران والجوف والطائف والأحساء وتبوك وسواها.

وتعجبني كثيراً تسمية هذه المحاصيل (بالخيرات) وهي والله خيرات ونِعم حُرم منها الكثير من الخلق في هذه الأيام الصعبة التي يمر بها العالم كله، وأصعبها ما يمر به عالمنا العربي من انقسامات وصعوبات ومشكلات وضائقات وتعقيدات ليس لها من دون الله كاشفة. ونقص الغذاء أصبح سمة من سمات دول العرب التي كانت جنات وارفة الظلال تصدر محاصيلها وغلالها إلى كل أنحاء العالم، وأولها السودان الذي ما عاد المواطن فيها يحصل على رغيف الخبز، واليمن وسوريا والعراق والبقية تأتي، أراضٍ خصبة وأنهار جارية وأيدٍ عاملة وثروات طبيعية لا أول لها ولا آخر، ومعها اضطرابات ونزاعات وفتن وصراعات وأيد خارجية آثمة أولها وأخطرها إيران الصفوية الحاقدة، والنتيجة في تلك البلدان جميعاً فقر وعوز وجوع وانعدام للخدمات يسبقه انعدام للأمن والاستقرار. وبالمقابل بلادنا المسلمة نسبة الأراضي الخصبة فيها قليلة للغاية، والمياه المتوفرة للري ضئيلة جداً ومع ذلك فقد بارك الله في نتاجها الزراعي، وأصبح يغطي نسبة هائلة من احتياجاتها، وأنا واحد ممن يرتادون المحلات المخصصة لبيع محاصيل القصيم الزراعية وأعرف عدداً منها في جدة تصل إليها الخضروات والفواكه الطازجة مباشرة من القصيم ثلاث مرات أسبوعياً في ساعة غير متأخرة من الليل في شاحنات مبردة معبأة في صناديق، وتباع بالصندوق أو الكيلوجرام بأسعار معقولة جداً تقل كثيراً عن أسعار منتجات أخرى مستوردة، ناهيك عن كونها من غلال اليوم نفسه، بينما تصل منتوجات الدول الأخرى كمصر أو لبنان أو تركيا أو المغرب بعد عدة أيام من قطافها.

ناهيك أيضاً عن جودة منتوجات القصيم العالية جداً وتكاد تكون عضوية إن لم تكن عضوية فعلاً في نضارتها ولذة طعمها، وما عادت تقتصر على الخضراوات التقليدية المحلية بل أًصبحت القصيم تنتج بعض المحاصيل الأوروبية ومنها (الخس الأمريكي) و(الطماطم الصغيرة الكرزية) و(الفلفل الرومي الملون) وسوى ذلك كثير وتباع هذه جميعاً وسواها بعشر قيمتها دون أي مبالغة بمعنى أن المستورد منها من أمريكا وأوروبا تبلغ أسعاره عشرة أضعاف المحلي. ومما لحظته مؤخراً أن خيرات القصيم ما عادت مقتصرة على محلات بعينها مخصصة لبيعها بل هي موجودة يومياً في معظم محلات السوبر ماركت الكبرى في ركن خاص أغلب الأحيان وإن كانت تلك الحال في جدة، ففي الرياض تجدها في كل مكان بل على الأرصفة مع الباعة المتجولين. وذلك لا يترك عذراً لكل المتسوقين أن يقبلوا عليها ويشجعوها وينصرفوا عن المنتجات المستوردة الأغلى ثمناً والأقل جودة.

وليس الأمر قاصراً على منتوجات القصيم التي تركز على الخضراوات، ذلك أن جازان ونجران وتبوك تتفوق بانتاج الفواكه كالحمضيات بأنواعها والمانجو والتفاح وسواها من أنواع الفواكه ناهيكم عن رمان وعنب و(برشومي) و(حماط) الطائف وسوى ذلك كثير. وقد لحظت أخيراً أيضاً أن خيرات القصيم ما عادت قاصرة على الخضر بل تجد معها الألبان والأجبان والعسل والمعجنات والحلويات وفي مقدمها (الكليجة) الرائعة المتقنة المشهورة وكل ذلك مطلوب في رمضان.

أقول وبالله التوفيق: واجب علينا تمليه وطنيتنا، بعد أن يمليه ديننا، تشجيع منتجات بلادنا الغذائية بكل صنوفها بالبحث عنها وتفضيلها على المنتوجات الأجنبية التي ما عادت قادرة على منافستها في الأسعار والجودة ، خصوصاً في هذا الشهر الكريم.