في ليلة رمضانية بالفعل عمتها نفحات الرحمة.. وفي أجواء روحانية حافلة بالمكاشفة والمصارحة، وقف العالم الدكتور محمد العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، يعرض تجارة مع الله يبتغي فيها صورة الإسلام الوسطي الجميل، مفسحًا المجال لكل ذي فكر وقلم أن يشحذ همته، ويشاركه! وفي سحور مختلف، جلس العيسى وحوله كوكبة من العلماء والمفكرين والإعلاميين يروي قصته التي سيسجلها التاريخ المعاصر يقينا بأحرف من نور، إنه النور الساطع من قلب الرسالة الإسلامية السمحة المتصالحة والمتصافية والموجهة من الأساس لخير البشرية.

على أن هذه الليلة لم تخل من حزن شفيف أقرب إلى الشجن، خاصة وأن القائمين عليها من فريق الإعلام الشاب، بدأ في عرض أفلام تسجيلية سريعة، جعلتنا نطوف مع العيسى في أنحاء المعمورة.. إغاثة وإعاشة ونصرة وتعاطف مع إخوان لنا في الإنسانية هناك في نيوزيلندا وإندونيسيا وهنا في سوريا ولبنان!

هكذا كان مسلمو نيوزيلندا حاضرين معنا، شأنهم في ذلك شأن اللاجئين السوريين في لبنان، وشأن ضحايا الزلازل في إندونيسيا وشأن المحرومين المحتاجين المضطهدين في الروهانجيا وفي كل مكان.. كانت الشهادات تترى من كل مكان وكان وجه العيسى تمتد إليه الحدق، حيث أعمال الرابطة معه بالخير تأتلق.

الآن أقول بضمير مستريح، إذا كانت الوزارات والهيئات تتنافس فيما بينها لتقديم ما لديها من مبادرات، فإن محمد بن عبدالكريم العيسى نفسه، يعد أحد أهم المبادرات التي قدمتها السعودية للعالم.. إنها مبادرة التسامح والحوار والقيم الإنسانية المشتركة التي ظن البعض جهلا أنها محتكرة وخاصة بنا.

لقد تابعت جهود الرابطة على امتداد عقود، ومع الاحترام لماضيها العريق ولأعمالها الضخمة التي شاركت في تسجيلها ورصدها بالقلم وبالصورة في أحراش أفريقيا وفي جبال آسيا، وبين الفقراء المحتاجين في كل مكان، فإن ما تقده الرابطة الآن هو خدمة الإسلام والمسلمين المفترى عليه وعليهم في أجمل صورة.. شكرا للمملكة.. شكرا للعيسى.

في البداية حرص الدكتور العيسى على الإشارة إلى ماضي الرابطة العريق الذي يمتد إلى نحو 60 عاما، مؤكدا الحرص على دعم المشترك الإسلامي الإنساني، من خلال الرابطة التي باتت جامعة للشعوب الإسلامية من خلال برامجها التي تستهدف الأفق الإنساني كله.

ثلاثة أهداف محددة هي ما يعمل عليها الدكتور العيسى، يتصدرها بطبيعة الحال، ونبل الغاية، وضخامة المهمة إيضاح حقيقة الإسلام بمنهجه الوسطي المعتدل.. وهنا يقول العيسى: لدينا في ذلك عدة مسارات أبرزها إبراز القيم الإسلامية، موثقة بالنص الصحيح والسياق التاريخي الدقيق.. ومواجهة الشبهات والتصدي لها بالحكمة والموعظة الحسنة.

وثاني تلك المسارات، مواجهة خطاب التطرف بشقيه.. التطرف المحسوب زورا وبهتانا على الإسلام، ثم التطرف الموازي من خلال خطاب مغرض.. وهنا يشير العيسى بشفافية واضحة إلى أن غيرنا يشترك معنا في هذا الهم المشترك وهو مواجهة هذا الخطاب المغرض الكريه.

ومن ضمن هذا المسار أو في خلاله تبرز «الإسلاموفوبيا» إما من خلال كراهية مجردة، وإما بفعل الجهل بالإسلام، خاصة عندما يتم الاستقاء والتلقي من مصدر واحد.. وهنا تتشكل «الإسلاموفوبيا» القائمة على الجهل.

وبانسيابية واتساق، ينتقل العيسى بنا إلى الهدف الثاني الذي تعمل الرابطة حاليا عليه، وهو مد الجسور مع الجميع تجمعهم مائدة حوار واحدة، مدركين أن 10 بالمئة فقط من المشتركات كفيلة باحلال السلام والوئام في ربوع العالم.

الحوار والتلاقي الإنساني

وفي هذا الصدد يشير العيسى إلى أنه تم توقيع اتفاقيات عديدة وآخرها في الولايات المتحدة قبل 3 أسابيع.. كما تم عقد مؤتمرات وندوات وملتقيات متعددة وطرح العديد من القضايا بكل شفافية.. خاصة الإشكاليات العالقة وضرورة أن يتفهمها الجميع. وخلال هذه اللقاءات كما يؤكد العيسى تم إزالة الكثير من المفاهيم الخاطئة المتبادلة، ومنها ما يقال عن نظرة الإسلام للآخرين.

عند هذه النقطة ينتقل العيسى لتبيان الموقف من الثقافات والقوانين الأخرى خاصة عندما تكون على أرضهم وكيف تتعامل معهم. وكذلك الموقف من التنوع والتعددية وكيف نفهمها فهما صحيحا، وصولا إلى فهم مشترك للحريات.. إنها الحريات المشروعة بحيث ينبغي التفريق بين الحرية والفوضي، وبين والحرية والإساءة للآخرين.

ثم يتطرق الدكتور العيسى للحديث عن نظريات الصدام الحضاري، مشددا على أهمية إحالته للحوار والتلاقي الإنساني، مع احترام الخصوصيات في كل الأحوال. وينقلنا ذلك بطبيعة الحال مباشرة للحديث عن الموقف من الاستغراق في نظرية المؤامرة. وفي ذلك يقول الدكتور العيسى: قلتها وأكررها إنه لا يتحمل أي واقعة سابقة أو حالية إلا صاحبها.. ولدينا في الإسلام لا أحد معصوم من الخطأ إلا محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم. ولا شك كذلك أن هناك بعض المواقف التي نسبت زورا لعموم الأديان.

أهمية المصارحة

لا يمل الدكتور العيسى من التأكيد على حقيقة أنه ليس هناك دين متطرف في أصله.. لكن هناك في كل دين متطرفين محسوبين على كل دين.. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز برامج الاندماج الإيجابي.. لردم الفجوة التي ينبغي تفهمها والحذر منها بحيث لا تفضي إلى تطرف وإرهاب يحسب على الدين بنظرة خاطئة. ومن منطلق قوة الإسلام يقول الدكتور العيسى: إن رسالة الإسلام التي مضى عليها أكثر من 1400 عام لا تزال بحمد الله من القوة والمنعة، بحيث تتصدى لكل الإشكاليات وتتعامل مع كل المستجدات.

وفيما يشبه الحصاد يقول: لقد نتج عن اللقاءات والحوارات والمؤتمرات إزالة العديد بل الكثير من الأفكار الخاطئة التي يتم تداولها بين الناس وأحيانا تطرح في كتب، كما تم تعزيز العمل من خلال المشتركات، بحيث يتم نبذ الأفكار المسبقة.. إن المصارحة بلاشك مهمة والمكابرة خاطئة وأيامها قليلة.

أخيرا يصل العيسى معنا وبنا إلى الهدف الثالث في مهمته التي هي مهمة رابطة عتيدة، وهو الأعمال الإغاثية والرعوية في بعدها الإنساني، حيث لا نفرق كل كبد رطبة أجر» كذلك من ضمن شروطنا العمل مع الحكومات مباشرة لا مع الأفراد والكيانات الخاصة، وكذلك نعمل مع المنظمات الأممية وآخرها الأمم المتحدة.. أخيرا: هذه أهدافنا وهي منكم وإليكم وكلكم من الرابطة وإلى الرابطة بل إننا نرحب بغير المسلمين.. وفي ذلك يكفي أن نعلم أن من بين أعضاء الهيئة الحقوقية للرابطة مسلمين وغير مسلمين تربطنا جميعا في ذلك قيم الإسلام.

في التسامح والعمل الإنساني والدولة الوطنية

الرابطة تعلن عن مسابقة إعلامية إسلامية ضخمة


بمهارة ولباقة وقف الزميل الإعلامي عبدالوهاب الشهري، مدير عام إدارة الإعلام بالرابطة، معلقا على الأفلام التسجيلية التي تم عرض أجزاء منها على الشاشة، قبل أن يعلن عن مفاجأة الحفل. كانت أصوات المستفيدين وكلماتهم المؤثرة تنبعث من أفريقيا وآسيا وأمريكا، وكانت رسائل الشكر والامتنان الواردة من أنحاء العالم تغمر المكان.. وكانت وسطية الإسلام تتحدث عن نفسها من خلال العيسى في ماليزيا وجنوب أفريقيا وسنغافورة وفرنسا وبريطانيا وموريتانيا والولايات المتحدة والأردن والجزائر ولبنان والفاتيكان وجزر القمر وروسيا وتتارستان.

إننا جاهزون لأي مبادرة من الأخوة الإعلاميين باعتبارهم شركاء ومساهمين، قالها الزميل الشهري بفخر واضح وهو يؤكد: لدينا الآن قوة ناعمة تستطيع إيصال رسالة الإسلام الصحيحة، وصورة المملكة الحقيقية الناصعة.. إنها قوة الرابطة بهيئاتها المختلفة، والتي يمكن أن تزودكم بكل ما تحتاجونه كإعلاميين وأصحاب فكر وقلم حتى تكتمل الصورة.. لدينا أفلام ووثائق، ولدينا كوادر فنية تستطيع دعمكم بكل ما من شأنه صناعة المحتوى، وتقديم كل ماهو مفيد من قصص وتقارير.

وفي ضوء ذلك، يسرنا أن نعلن عن مبادرة جديدة، على مستوى العالم الإسلامي، جاءت على شكل مسابقة إعلامية في فروع أربعة هي: التسامح والتعايش، العمل الإنساني، والدولة الوطنية ومخاطر التصنيف والإقصاء

وستكون مكافآتها على النحو التالي: 100 ألف للفائز الأول و75 ألف ريال للفائز الثاني، و50 ألف ريال للفائز الثالث.

إحصائيات وأرقام في مسيرة الخير

على شاشة العرض استعرض الزميل الإعلامي عبدالله الطياري، مدير إدارة الإعلام والمؤتمرات بالهيئة العالمية للإغاثة والرعاية والتنمية، إحصائية سريعة للعمل الإنساني الذي قدمته الرابطة في الفترة الأخيرة، وتحديدا في الثمانية عشر شهرا الأخيرة، دون النظر لدين أو عرق أو جنس.. هنا إغاثة عاجلة، وهناك رعاية وتنمية..

والهاجس الدائم في كل الأحوال، وفقا لتوجيهات العيسى هو التنمية المستدامة.. لقد وصل عدد المستفيدين إلى نحو 681 مليون شخص حول العالم، ووصل اجمالي تكلفة البرامج الاجتماعية ةالتربوية والادارة الهندسية والرعاية الصحية والاغاثة العاجلة الي نحو خمسة مليارات ونصف المليار ريال.

وبالنسبة لبرنامج غسيل الكلى، تم إنفاق نحو 4 ملايين ريال استفاد منها نحو 15 ألف مريض بينهم 114 مريض بالفشل الكلوي.

كما استفاد نحو 23 نليون شخص من 42 دولة من المساعدات الغذائية المقدمة لدول افريقيا على سبيل المثال.